وتوجهت جهود المحققين لدراسة نسبة الإنجيل إلى يوحنا، ومعرفة الكاتب الحقيقي له، فقد أنكر المحققون نسبة الإنجيل إلى يوحنا الحواري، واستندوا في ذلك
_________________
(١) انظر: قاموس الكتاب المقدس، ص (١١٠ - ١١١١)، وقد أخطأ د. بوست حين ذكر أن بطرس نقل من يوحنا، إذ تشابه الألفاظ لايعني النقل عن السابق، ولو لزم ذلك فإن يوحنا هو الذي نقل عن بطرس الذي توفي سنة ٦٥م، فيما كتب يوحنا إنجيله سنة ٩٥م، ثم إن الإحالة التي قصدها د. بوست ليست في (بطرس (٢) ١/ ١٤)، بل في (بطرس (١) ١/ ١٤).
[ ٧٤ ]
إلى أمور منها:
١ - أن ثمة إنكار قديمًا لصحة نسبته إلى يوحنا، وقد جاء هذا الإنكار على لسان عدد من الفرق النصرانية القديمة، منها فرقة ألوجين (ألوجي) في القرن الثاني، يقول صاحب كتاب (رب المجد): "وجد منكرو لاهوت المسيح أن بشارة يوحنا هي عقبة كؤود، وحجر عثرة في سبيلهم، ففي الأجيال الأولى رفض الهراطقة يوحنا ".
وتقول دائرة المعارف البريطانية: " هناك شهادة إيجابية في حق أولئك الذين ينتقدون إنجيل يوحنا، وهي أنه كانت هناك في آسيا الصغرى طائفة من المسيحيين ترفض الاعتراف بكونه تأليف يوحنا، وذلك في نحو ١٦٥م، وكانت تعزوه إلى كيرنثوس (الملحد)، ولا شك أن عزوها هذا كان خاطئًا.
لكن السؤال عن هذه الطبقة المسيحية البالغة في كثرة عددها إلى أن رآه القديس أييفانيوس جديرة بالحديث الطويل عنها في (٣٧٤ - ٣٧٧م) وأسماها " ألوجي " (أي معارضة الإنجيل ذي الكلمة).
لئن كانت أصلية إنجيل يوحنا فوق كل شبهة، فهل كانت مثل هذه الطبقة لتتخذ نحوه أمثال هذه النظريات في مثل هذا العصر، ومثل هذا البلد؟ لا وكلا ".
ومما يؤكد خطأ نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا أن جوستين الشهيد في منتصف القرن الثاني تحدث عن يوحنا، ولم يذكر أن له إنجيلًا، واقتبس فيلمو - ١٦٥م - من إنجيل يوحنا، ولم ينسبه إليه.
وقد أُنكر نسبة الإنجيل إلى يوحنا أمام أرينيوس تلميذ بوليكارب الذي كان تلميذًا ليوحنا، فلم ينكر أرينيوس على المنكرين، ويبعد كل البعد أن يكون قد سمع من بوليكارب بوجود إنجيل ليوحنا، ثم لا يدافع عنه. (١)
_________________
(١) انظر: إظهار الحق، رحمة الله الهندي (١/ ١٥٥ - ١٥٦)، الفارق بين المخلوق والخالق، عبد الرحمن باجي البغدادي، ص (٥٦٠ - ٥٦١).
[ ٧٥ ]
وقد استمر إنكار المحققين نسبة هذا الإنجيل عصورًا متلاحقة، فجاءت الشهادات تلو الشهادات تنكر نسبته إلى يوحنا. منها ما جاء في دائرة المعارف الفرنسية: " ينسب إلى يوحنا هذا الإنجيل وثلاثة أسفار أخرى من العهد الجديد، ولكن البحوث الحديثة في مسائل الأديان لا تسلم بصحة هذه النسبة".
ويقول القس الهندي بركة الله في كتابه "لواء الصليب وتزوير الحقائق": " الحق أن العلماء باتوا لا يعترفون دونما بحث وتمحيص بالنظرية القائلة بأن مؤلف الإنجيل الرابع كان القديس يوحنا بن زبدي الرسول، ونرى النقاد بصورة عامة على خلاف هذه النظرية ".
وتقول دائرة المعارف البريطانية: " أما إنجيل يوحنا، فإنه لا مرية ولا شك كتاب مزور، أراد صاحبه مضادة حواريين لبعضهما، وهما القديسان متى ويوحنا وإنا لنرأف ونشفق على الذين يبذلون منتهى جهدهم، وليربطوا ولو بأوهى رابطة ذلك الرجل الفلسفي الذي ألّف هذا الكتاب في الجيل الثاني بالحواري يوحنا الصياد الجليلي، فإن أعمالهم تضيع عليهم سدى، لخبطهم على غير هدى ". (١)
وعند تفحص الإنجيل أيضًا تجد ما يمتنع معه نسبته الإنجيل إلى الحواري يوحنا، فالإنجيل يظهر بأسلوب غنوصي يتحدث عن نظرية الفيض المعروفة عند فيلون الإسكندراني.
ولا يمكن لصائد السمك يوحنا أن يكتبه، خاصة أن يوحنا عامي كما وصفه
_________________
(١) انظر: اليهودية والمسيحية، محمد ضياء الرحمن الأعظمي، ص (٣٢٦ - ٣٢٩)، الفارق بين المخلوق والخالق، عبد الرحمن باجي البغدادي، ص (٥٦١)، المسيح ﵇ بين الحقائق والأوهام، محمد وصفي، ص (٤١ - ٤٢)، اختلافات في تراجم الكتاب المقدس، أحمد عبد الوهاب، ص (٨٧ - ٨٨).
[ ٧٦ ]
سفر أعمال الرسل " فلما رأوا مجاهرة بطرس ويوحنا، ووجدوا أنهما إنسانان عديما العلم وعاميان تعجبوا " (أعمال ٤/ ١٣).
وأما ما جاء في خاتمة الإنجيل مما استدل به القائلون بأن يوحنا هو كاتب الإنجيل وهو قوله: "هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا، وكتب هذا، ونعلم أن شهادته حق " (يوحنا ٢١/ ٢٤). فهذه الفقرة كما يقول المحققون دليل على عدم صحة نسبة الإنجيل إلى يوحنا، إذ هي تتحدث عن يوحنا بصيغة الغائب.
ويرى ويست أن هذه الفقرة كانت في الحاشية، وأضيفت فيما بعد للمتن، وربما تكون من كلمات شيوخ أفسس. ويؤيده بشب غور بدليل عدم وجودها في المخطوطة السينائية.
وأما مقدمة الرهبانية اليسوعية فتقول عنها وعن الفقرة التي بعدها: "تشكلان إضافة يعترف بها جميع المفسرين".
ويرى العلامة برنت هلمين استرتير في كتابه " الأناجيل الأربعة " أن الزيادات في متن يوحنا وآخره كان الغرض منها " حث الناس على الاعتراف في شأن المؤلف بتلك النظرية التي كان ينكرها بعض الناس في ذلك العصر". (١)
ثم إن بعض المؤرخين ومنهم تشارلز الفريد، وروبرت إيزلز وغيرهما قالوا بأن يوحنا مات مشنوقًا سنة ٤٤م على يد أغريباس الأول، وعليه فليس هو مؤلف هذا الإنجيل، إذ أن هذا الإنجيل قد كتب في نهاية القرن الميلادي الأول أو أوائل الثاني. (٢)
_________________
(١) انظر: الكتب المقدسة بين الصحة والتحريف، يحيى ربيع، ص (١٥٥)، ما هي النصرانية، محمد تقي العثماني، ص (١٥٠ - ١٥٢)، اليهودية والمسيحية، محمد ضياء الرحمن الأعظمي، ص (٣٢٩)، هل الكتاب المقدس كلام الله، أحمد ديدات، ص (٧٩).
(٢) انظر: الغفران بين الإسلام والمسيحية، إبراهيم خليل أحمد، ص (١٨)، النصرانية، مصطفى شاهين، ص (٨٥).
[ ٧٧ ]