نلحظ أولًا أن هذه النسخ جميعًا ليست من خط كاتبها أو ليس منها شيء كتب في وجوده، بل إن أولها كتب بعد وفاة كُتاب الأناجيل بما لا يقل عن قرنين من الزمان.
ولا يستطيع النصارى أن يثبتوا سندًا لهذه المخطوطات إلى كتبتها، واعترف بذلك القسيس فرنج في مناظرته للعلامة الهندي، فقال معتذرًا: " إن سبب فقدان السند عندنا وقوع المصائب والفتن على المسيحيين إلى مدة ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة "، ويعتبره رحمة الله الهندي تفسيرًا مقبولًا لا يقيلهم من إحضار سند هذه الكتب، فمثل هذه المسائل لا تقبل من طريق الظن والتخمين. (١)
وهذه المخطوطات وغيرها التي يتحدث النصارى عن كثرتها لا يتفق منها مخطوطان، فقد تعرضت جميعها للزيادة والنقصان حسب أهواء النساخ، وهو ما يعترف به النصارى ومنهم سويجارت الذي يحاول التقليل من أهمية هذه الاختلافات فيقول: " المبادئ العلمية تخبرنا أنه فيما يختص بكتب العهود القديمة إذا توفر لدينا عشر نسخ منها، فإننا لا نحتاج بالضرورة إلى الأصل لنضمن تحققنا من النسخة الأصلية، وعندما نفكر أن لدينا أربعة وعشرين ألف نسخة، وأن بعض الاختلافات موجودة فيما بين هذه النسخ، وهذا ما نعترف به، فالمهم أن جوهر النص لم يتغير".
لكن الدكتور روبرت في بحثه " حقيقة الكتاب المقدس " يرد ذلك ويخالفه، وكان روبرت قد أعد لمطبعة " تسفنجلي " مذكرة علمية تطبع مع الكتاب المقدس، ثم منع من طبعها، ولما سئل عن السبب في منعها قال: " إن هذه المذكرة ستفقد الشعب إيمانه بهذا الكتاب ".
_________________
(١) انظر: المناظرة الكبرى بين الشيخ رحمة الله والمنصر بافندر، ص (٣٧٢).
[ ١٦ ]
يقول د. روبرت: " لا يوجد كتاب على الإطلاق به من التغييرات والأخطاء والتحريفات مثل ما في الكتاب المقدس "، وينقل روبرت أن آباء الكنيسة يعترفون بوقوع التحريف عن عمد، وأن الخلاف بينهم محصور فيمن قام بهذا التحريف.
ويقول كينرايم: إن علماء الدين اليوم على اتفاق واحد يقضي بأن الكتاب المقدس وصل إلينا منه أجزاء ضئيلة جدًا فقط هي التي لم يتم تحريفها.
ويقول الدكتور روبرت: " لن يدعي أحدًا أبدًا: أن الله هو مؤلف كل أجزاء هذا الكتاب قد أوحى إلى الكتبة هذه التحريفات ". (١)
يقول موريس نورن في " دائرة المعارف البريطانية ": " إن أقدم نسخة من الأناجيل الرسمية الحالية كتب في القرن الخامس بعد المسيح، أما الزمان الممتد بين الحواريين والقرن الخامس فلم يخلف لنا نسخة من هذه الأناجيل الأربعة الرسمية، وفضلًا عن استحداثها وقرب عهد وجودها منا، فقد حرفت هي نفسها تحريفًا ذا بال، خصوصًا منها إنجيل مرقس وإنجيل يوحنا".
وعن إنجيل مرقس، يتحدث مفسره دنيس نينهام في تفسيره لإنجيل مرقس (ص ١١)، فيقول: "لقد وقعت تغييرات تعذر اجتنابها، وهذه حدثت بقصد أو بدون قصد، ومن بين مئات المخطوطات لإنجيل مرقس، والتي لا تزال باقية حتى اليوم لا نجد نسختان تتفقان تمامًا". (٢)
ويقول: " ليس لدينا أي مخطوطات يدوية يمكن مطابقتها مع الآخرين "، ويستعين بما ذكره القس شورر عن مخطوطات الأناجيل، وأن بها ٥٠٠٠٠ اختلاف،
_________________
(١) انظر: الكتاب المقدس في الميزان، عبد السلام محمد، ص (٩٤ - ٩٥)، إظهار الحق، رحمة الله الهندي (٢/ ٥٤٢ - ٥٤٣).
(٢) انظر: المسيح في مصادر العقائد المسيحية، أحمد عبد الوهاب، ص (٥٥).
[ ١٧ ]
فيما قال كريسباخ بأنها ١٥٠٠٠٠ اختلاف، وتؤكد ذلك دائرة المعارف البريطانية بقولها: " إن مقتبسات آباء الكنيسة من العهد الجديد والتي تغطي كله تقريبًا تظهر أكثر من مائة وخمسين ألف من الاختلافات بين النصوص".
وممن اعترف بكثرة هذه الاختلافات العالم جون ميل، وذكر بأنها ثلاثون ألفًا من الاختلافات التي أثبتها في هوامش النسخة التي أصدرها عام ١٧٠٧م بعد ثلاثين سنة من الدراسة المعمقة في مائة مخطوط يوناني فقط، ولاشك أن العدد سيتضاعف فيما لو زاد في عينة الدراسة مخطوطات أخرى؛ إذ ستفرز قراءات أخرى تزيد على رقم الثلاثين ألفًا الذي وافقه عليها القس باركر البروتستانتي، وأوصل هذه الاختلافات يوهان ياكوب فتستاين (ت ١٧٤٧م) إلى أزيد من ألف ألف.
ويقول شميت: "لا توجد صفحة واحدة من الأناجيل العديدة التي لا تحتوي نصها الأقدم على اختلافات عديدة".
ويحاول النصارى تبرير هذه الاختلافات الكثيرة بين المخطوطات فيقول دكتور سمعان كهلون في كتابه "مرشد الطالبين": " لا تعجب من وجود اختلافات في نسخ الكتب المقدسة، لأن قبل ظهور صناعة الطبع في القرن الخامس عشر من الميلاد كانت تنسخ بالخط، فكان بعض النساخ جاهلًا وبعضهم غافلًا وساهيًا ". (١)
وهذا الكلام صحيح، لكنه يمثل نصف الحقيقة فحسب، إذ هو يغفل وقوع التحريف المتعمد من قبل النساخ، وهو ما أقر به المدخل الفرنسي للعهد الجديد، فقد جاء فيه: " إن نسخ العهد الجديد التي وصلت إلينا ليست كلها واحدة. بل يمكن المرء أن يرى فيها فوارق مختلفة الأهمية .. هناك فوارق أخرى بين الكتب الخط تتناول معنى فقرات برمتها واكتشاف مصدر هذه الفوارق ليس بالأمر العسير.
فإن نص العهد الجديد قد نسخ طوال قرون كثيرة بيد نساخ صلاحهم للعمل متفاوت، وما من واحد منهم معصوم من مختلف الأخطاء يضاف إلى ذلك أن بعض
_________________
(١) انظر: مرشد الطالبين إلى الكتاب الثمين، دكتور سمعان كهلون، ص (١٣).
[ ١٨ ]
النساخ حاولوا أحيانًا عن حسن نية أن يصوبوا ما جاء في مثالهم، وبدا لهم أنه يحتوي أخطاء واضحة أو قلة دقة في التعبير اللاهوتي، وهكذا أدخلوا إلى النص قراءات جديدة تكاد تكون كلها خطأ.
ثم يمكن أن يضاف إلى ذلك كله أن الاستعمال لكثير من الفقرات من العهد الجديد في أثناء إقامة شعائر العبادة أدى أحيانًا إلى إدخال زخارف غايتها تجميل الطقس أو إلى التوفيق بين نصوص مختلفة ساعدت على التلاوة بصوت عال.
ومن الواضح أن ما أدخله النساخ من التبديل على مرِّ القرون تراكم بعضه على بعضه الآخر، فكان النص الذي وصل آخر الأمر إلى عهد الطباعة مُثقلًا بمختلف ألوان التبديل .. والمثال الأعلى الذي يهدف إليه علم نقد النصوص هو أن يمحص هذه الوثائق المختلفة، لكي يقيم نصًا يكون أقرب ما يمكن من الأصل الأول، ولا يمكن في حال من الأحوال الوصول إلى الأصل نفسه".
ويؤكد هذا كله فردريك كلفتن جرانت أستاذ الدراسات اللاهوتية في الكتاب المقدس بمعهد اللاهوت الاتحادي بنيويورك في كتابه "الأناجيل أصلها وتطورها" (ص ٣٢) بقوله: " كان يحفظ النص في مخطوطات نسختها أيدي مجهدة لكتبة كثيرين، ويوجد اليوم من هذه المخطوطات ٤٧٠٠ ما بين قصاصات من ورق إلى مخطوطات كاملة على رقائق من الجلد أو القماش.
إن نصوص جميع هذه المخطوطات تختلف اختلافًا كبيرًا، ولا يمكننا الاعتماد بأن أيًا منها قد نجا من الخطأ .. إن أغلب النسخ الموجودة من جميع الأحجام قد تعرضت لتغييرات أخرى على يد المصححين الذين لم يكن عملهم دائمًا إعادة القراءة الصحيحة ". (١)
_________________
(١) انظر: الكتاب المقدس في الميزان، عبد السلام محمد، ص (٩٤ - ٩٥)، إظهار الحق، رحمة الله الهندي (٢/ ٥٤٢ - ٥٤٣)، المسيح في مصادر العقائد المسيحية، أحمد عبد الوهاب، ص (٤١).
[ ١٩ ]
والنص المنشور للعهد الجديد ليس نصًا نهائيًا، إذ هو رهين اكتشاف المزيد من المخطوطات، تقول مقدمة العهد الجديد للرهبانية اليسوعية: "وبوسعنا اليوم أن نعد نص العهد الجديد نصًا مثبتًا إثباتًا حسنًا، وما من داع إلى إعادة النظر فيه إلا إذا عثر على وثائق جديدة". إنه عهد جديد مؤقت حتى إشعار آخر.