وكذلك سرت في الوثنيات فكرة الفادي والمخلص الذي يفدي شعبه أو قومه، وكانت الأمم البدائية تضحي بطفل محبوب، لاسترضاء من تسميهم آلهة السماء، وفي تطور لاحق أضحى الفداء بواسطة مجرم حكم عليه بالموت، وعند البابليين كان الضحية يلبس أثوابًا ملكية - كتلك التي ألبسها الإنجيليون للمسيح في قصة الصلب -، لكي يمثل بها ابن الملك، ثم يجلد ويشنق.
_________________
(١) انظر: العقائد الوثنية في الديانة النصرانية، محمد طاهر التنير، ص (٢٩ - ٣٢)، قراءات في الكتاب المقدس، عبد الرحيم محمد (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩).
[ ١٠٤ ]
وعند اليهود خصص يوم للكفارة يضع فيه كاهن اليهود يده على جدي حي، ويعترف فوق رأسه بجميع ما ارتكب بنو إسرائيل من مظالم، فإذا حمل الخطايا أطلقه في البرية.
وأما فكرة موت الإله فهي عقيدة وثنية حيث كان العقل اليوناني يحكم بموت بعض الآلهة.
والفداء عن طريق أحد الآلهة أو ابن الله أيضًا موجودة في الوثنيات القديمة كما وقد ذكر السير آرثر فندلاي في كتابه " صخرة الحق " أسماء ستة عشر شخصًا اعتبرتهم الأمم آلهة سعوا في خلاص هذه الأمم. منهم: أوزوريس في مصر ١٧٠٠ ق. م، وبعل في بابل ١٢٠٠ق. م، وأنيس في فرجيا ١١٧٠ ق. م، وناموس في سوريا ١١٦٠ ق. م، وديوس فيوس في اليونان ١١٠٠ ق. م، وكرشنا في الهند ١٠٠٠ ق. م، وأندرا في التبت ٧٢٥ ق. م، وبوذا في الصين ٥٦٠ ق. م، وبرومثيوس في اليونان ٥٤٧ ق. م، ومترا (متراس) في فارس ٤٠٠ ق. م. (١)
ولدى البحث والدراسة في معتقدات هذه الأمم الوثنية نجد تشابهًا كبيرًا مع ما يقوله النصارى في المسيح المخلص.
فأما بوذا المخلص عند الصينيين فلعله أكثر الصور تطابقًا مع تخلص النصارى، ولعل مرد هذا التشابه إلى تأخره التاريخي، فكان تطوير النصارى لذلك المعتقد ضئيلًا.
والبوذيون كما نقل المؤرخون يسمون بوذا المسيح المولود الوحيد، ومخلص العالم، ويقولون: إنه إنسان كامل وإله كامل تجسد بالناسوت، وأنه قدم نفسه ذبيحة ليكفر ذنوب البشر ويخلصهم من ذنوبهم حتى لا يعاقبوا عليها.
_________________
(١) انظر: العقائد المسيحية بين القرآن والعقل، هاشم جودة، ص (٢١٩).
[ ١٠٥ ]
وجاء في أحد الترنيمات البوذية عن بوذا: " عانيتَ الاضطهاد والامتهان والسجن والموت والقتل بصبر وحب عظيم لجلب السعادة للناس، وسامحتَ المسيئين إليك ".
ويذكر مكس مولر في كتابه " تاريخ الآداب السنسكريتية " فيقول: " البوذيون يزعمون أن بوذا قال: دعوا الآثام التي ارتكبت في هذا العالم تقع عليّ، كي يخلص العالم ".
ويرى البوذيون أن الإنسان شرير بطبعه، ولا حيلة في إصلاحه إلا بمخلص ومنقذ إلهي.
وكذلك فإن المصريين يعتبرون أوزوريس إلهًا ويقول المؤرخ بونويك في كتابه " عقيدة المصريين": يعد المصريون أوزوريس أحد مخلصي الناس، وأنه بسبب جده لعمل الصلاح يلاقي اضطهادًا، وبمقاومته للخطايا يقهر ويقتل ".
ويوافقه العلامة دوان في كتابه " خرافات التوراة والإنجيل وما يماثلها من الديانات الأخرى".
لذا يقول آرثر ويجال:" إن هذه العقيدة دخيلة من مصدر وثني، وهي حقًا من آثار الوثنية في الإيمان ". (١)