وهذه الرسائل سبع رسائل ثلاث منها ليوحنا، وثنتان لبطرس، وواحدة لكل من يهوذا ويعقوب، ثم رؤيا يوحنا اللاهوتي.
_________________
(١) انظر: مدخل إلى الكتاب المقدس، جون بالكين وآخرون، ص (٥٥٦).
(٢) تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، ص (٢٧٦).
[ ٨٤ ]
وعرف المحققون بأصحاب هذه الرسائل وهم من التلاميذ الاثني عشر.
فبطرس هو صياد سمك في كفر ناحوم، ويعرف بسمعان، ويرجح محررو قاموس الكتاب المقدس أنه كان من تلاميذ يوحنا المعمدان قبل أن يصحب المسيح، ويتقدم على سائر تلاميذه، وقد دعا في أنطاكية وغيرها، ثم قتل في روما في منتصف القرن الميلادي الأول.
ويذكر بطرس قرماج في " مروج الأخبار " أن بطرس ومرقس ينكران ألوهية المسيح.
وأما يعقوب فهو ابن زبدي الصياد - أخو يوحنا الإنجيلي - من المقربين للمسيح، وقد تولى رئاسة مجمع أورشليم سنة ٣٤م، وقد كانت وفاته قتلًا على يد أغريباس الأول عام ٤٤م على الأرجح، وقال آخرون: قتله اليهود حين طرحوه من جناح الهيكل، ورموه بالحجارة سنة ٦٢م.
وأما يهوذا فلا تقدم المصادر عنه تعريفًا سوى أن تذكر أنه اختلف فيه هل هو يهوذا أخو يعقوب الصغير أي أنه ابن زبدي، أم أنه الحواري الذي يدعى لباوس الملقب تداوس؟ بل البعض يذكر أنه يهوذا آخر غيرهما؟ (١)
وهذه الرسائل تعليمية في محتوياتها، شخصية في طريقة تدبيجها، تحوي في مقدمتها اسم مؤلفها غالبًا.
ورغم ذلك فإن نسبة هذه الرسائل كانت محل جدل طويل في قرون النصرانية
_________________
(١) انظر: قاموس الكتاب المقدس، ص (١٧٤ - ١٧٦، ١٠٧٥)، وكيف يفكر الإنجيليون في أساسيات الإيمان المسيحي، واين جردوم، ص (٤٦)، يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء، رؤوف شلبي، ص (١٩٤ - ١٩٩).
[ ٨٥ ]
الأولى، وينطبق على أكثرها ما ذكرناه في رسالة العبرانيين، حيث تأخر الاعتراف إلى أواسط القرن الرابع الميلادي برسالة بطرس الثانية ورسالتي يوحنا الثانية والثالثة ورسالتي يعقوب ويهوذا، ورؤيا يوحنا اللاهوتي الذي كان موضع جدل كبير قبل إقراره.
إذ يحوي هذا السفر رؤيا منامية غريبة هدفها تقرير ألوهية المسيح، وإثبات سلطانه في السماء، وخضوع الملائكة له، إضافة إلى بعض التنبؤات المستقبلية التي صيغت بشكل رمزي وغامض.
وهذه الرؤيا رآها يوحنا في منامه وهي مسطرة في سبعة وعشرين صفحة !! ومثل هذا يستغرب في المنامات ولا يعهد.
وقد شكك آباء الكنيسة الأوائل كثيرًا في هذا السفر. يقول الأسقف كيس ٢١٢م: " إن سفر الرؤيا من تصنيف كيرنثوس الملحد ".
وأما ديونيسيوس رئيس مدرسة الاسكندرية عام ٢٥٠م فينقل في كتابه "المواعيد" عن بعض السابقين له بأنهم درسوا سفر الرؤيا إصحاحًا إصحاحًا، ووجدوه "بلا معنى وعديم البراهين، قائلين بأنه عنوان مزور .. ليس من تصنيف يوحنا .. لم يكتبه أي واحد من الرسل أو القديسين، أو أي واحد من رجال الكنيسة، بل إن كيرنثوس مؤلف الشيعة التي تدعى الكرنثيين، إذ أراد أن يدعم قصته الخيالية؛ نسبها إلى يوحنا"، وذلك أن كيرنثوس كان يقول بالملك الأرضي للمسيح، وهو ما يتفق مع فكرة السفر عن أحداث آخر الزمان.
لكن المؤلف الكبير لم يقنع بما توصل إليه السابقون، فأمعن في دراسة السفر، وتوصل إلى ان "السفر من كتابة شخص يدعى يوحنا .. رجل قديس ملهم بالروح
[ ٨٦ ]
القدس، ولكنني لا أصدق بأنه هو الرسول ابن زبدي، كاتب إنجيل يوحنا والرسائل الجامعة .. وفي اعتقادي كان هناك كثيرون بنفس اسم الرسول يوحنا". (١)
يقول لوثر: "إن هذا السفر لا يعلّم عن المسيح، ولا يشير إليه بوضوح، ولا يتضح فيه أنه من وحي الروح القدس".
وأما خلفه المصلح زونجلي فقد قال: "ليس لنا شأن بسفر الرؤيا، لأنه ليس سفرًا كتابيًا، فليس فيه طعم كتابات يوحنا .. وفي وسعي أن أرفضه".
ويعقب المفسر باركلي فيكتب: "وقد اشترك مع لوثر وزونجلي كثيرون".
كما نقل عن بعض المفسرين قولهم: "إن عدد الألغاز الموجودة في سفر الرؤيا يساوي عدد كلماته، وقال آخر: إن دراسة الرؤيا تصيب الإنسان بالخبل، أو إن الذي يحاول القيام بها مخبول". (٢)
ويقول مدخل الرهبانية اليسوعية لهذا السفر: " لا يأتينا سفر يوحنا بشيء من الإيضاح عن كاتبه، لقد أطلق على نفسه اسم يوحنا، ولقب نبي، ولم يذكر قط أنه أحد الاثني عشر. هناك تقليد على شيء من الثبوت، وقد عثر على بعض آثاره منذ القرن الثاني، وورد فيه أن كاتب الرؤيا هو الرسول يوحنا .. بيد أنه ليس في التقليد القديم إجماع على ذلك، وقد بقي المصدر الرسولي لسفر الرؤيا عرضة للشك إن آراء المفسرين في عصرنا متشعبة، ففيهم من يؤكد أن الاختلاف في الإنشاء والبيئة والتفكير اللاهوتي تجعل نسبة الرؤيا والإنجيل الرابع إلى كاتب واحد أمرًا عسيرًا.
ويخالفهم مفسرون آخرون في الرأي ويرون أن سفر الرؤيا والإنجيل يرتبطان
_________________
(١) تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، ص (٣٢٩ - ٣٣١).
(٢) تفسير العهد الجديد (سفر الرؤيا)، وليم باركلي، ص (٩).
[ ٨٧ ]
بتعليم الرسول عن يد كتبة ينتمون إلى بيئات يوحنا في أفسس"، ويقول المفسر وليم باركلي في مقدمة تفسيره للسفر: "وليس من المحتمل أن يكون الكاتب رسولًا، فلو أنه كان رسولًا لوضع تنبيره على هذه الحقيقة أكثر من تنبيره على أنه نبي، ثم إنه يتكلم عن الرسل كأغراب عليه .. فإن هذا أسلوب شخص يؤرخ لفترة خدمة الرسل، بل إن عنوان السفر يوحي بهذه الفكرة، فهو "رؤيا يوحنا اللاهوتي" ولعل لقب "اللاهوتي" أي عالم اللاهوت قد أضيف إلى اسم يوحنا الكاتب ليميزه عن يوحنا الرسول.
ويقول يوسابيوس أبو التاريخ الكنسي: "يحتمل أن يكون يوحنا الثاني هو الذي رأى الرؤيا المنسوبة إلى يوحنا، أن كان أحد لا يميل أن يصدق بأن يوحنا الأول [التلميذ] هو الذي رآها". (١)
وهكذا فالسفر لا دليل يثبت كتابة يوحنا له، وغاية ما يمكن قوله أنه كتب على يد كتبة مجهولين تربوا على يد يوحنا في أفسس.
ومما نقله المحققون في تكذيب نسبة الرسائل الكاثوليكية أو بعضها على الأقل تكذيب هورن لها، واحتج بعدم وجودها في الترجمة السريانية القديمة.
ويقول يوسابيوس: "قبل الجميع دون جدال أسفارنا المعروفة الآن ما خلا الرسالة إلى العبرانيين ورسالة يعقوب ورسالة يهوذا ورسالة بطرس الثانية وسفر الرؤيا ورسالتي يوحنا الثانية والثالثة، فقد قبلها الجمهور، ولكن البعض شكّ فيها .. وأما رسالتا يوحنا فهما خطابان شخصيان يصعب برهنة صدق قانونيتهما". (٢)
ويقول عن رسالة يعقوب: " الرسالة متنازع عليها، أو على الأقل أن الكثيرين
_________________
(١) تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، ص (١٤٥).
(٢) علم اللاهوت النظامي، جيمس أنِس، ص (٦٤).
[ ٨٨ ]
من الأقدمين لم يذكروها في كتاباتهم، كما هو الحال في أمر الرسالة التي تحمل اسم يهوذا، ومع ذلك فنحن نعلم أن هاتين الرسالتين قرئتا علنًا مع سائر الأسفار في كنائس كثيرة جدًا". (١)
وعن رسالة يهوذا يقول المحقق كروتيس في كتابه " تاريخ البيبل ": " هذه الرسالة رسالة يهوذا الأسقف الذي كان خامس عشر من أساقفة أورشليم في عهد سلطنة أيد دين "، فجعل هذا المحقق رسالة يهوذا من عمل أسقف عاش في القرن الثاني الميلادي.
كما لا تسلم الكنيسة السريانية حتى الآن بصحة الرسالة الثانية لبطرس، والثانية والثالثة ليوحنا، ويقول اسكالجر: من كتب الرسالة الثانية لبطرس فقد ضيع وقته. (٢)
وعن كاتب رسالة بطرس الثانية تقول مقدمة الرسالة في نسخة الرهبانية اليسوعية: "لا يزال الرأي القائل أن كاتب الرسالة هو سمعان بطرس موضوعًا للنقاش، يثير كثيرًا من المتاعب، فلا يحسن من جهة أن يُجعل شأن كبير للإشارات التي أخبر فيها الكاتب عن حياته، والتي قال فيها أنه الرسول بطرس [أي كان المؤلف المجهول يكذب وهو يزعم أنه بطرس الرسول]، فإنها تعود إلى الفن الأدبي المعروف بالوصايا لا يبدو أن الكاتب ينتمي إلى الجيل المسيحي الأول ولما كان لا يسوغ الإفراط في تأخير تاريخ رسالة مشبعة على هذا النحو بالتقاليد اليهودية المسيحية يسوغ اقتراح نحو السنة ١٢٥م تاريخًا لإنشاء الرسالة، وهو تاريخ ينفي عنها نسبتها المباشرة إلى بطرس".
ويقول التفسير التطبيقي عنها: "لسنا على يقين من تاريخ كتابة هذه الرسالة أو
_________________
(١) تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، ص (٨٨).
(٢) انظر: إظهار الحق، رحمة الله الهندي (١/ ١٦٣ - ١٦٤)، اليهودية والمسيحية، محمد ضياء الدين الأعظمي، ص (٣٣٨ - ٣٣٩)، يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء، رؤوف شلبي، ص (١٨٨ - ١٨٩).
[ ٨٩ ]
لمن كتبت، كما أن كاتبها محل جدل كثير، وبسبب ذلك كانت [رسالة] بطرس الثانية آخر سفر يضم إلى الأسفار القانونية للعهد الجديد". (١)
ويقول أبو التاريخ الكنسي يوسابيوس: "علمنا بأن رسالته الثانية الموجودة بين أيدينا الآن ليست ضمن الأسفار القانونية، ولكنها مع ذلك إذ اتضحت نافعة للكثيرين، فقد استُعملت مع باقي الأسفار .. فالذي أعرفه هو أن رسالة واحدة فقط قانونية ومعترف بها من الشيوخ الأقدمين". (٢)
وعن قانونيتها تقول مقدمة الرسالة في نسخة الرهبانية اليسوعية: "إن كلًا من هذه الرسالة وسفر الرؤيا كان في العهد الجديد، السفر الذي لقي أكثر المصاعب ليُعترف به، فقد دخلت دخولًا بطيئًا إلى مجمل الكنائس .. ولم يعترف بها في معظم الكنائس إلا في القرن الخامس، واعترف بها في سورية في القرن السادس".
ونختم بقول المفسر الدكتور وليم باركلي أستاذ العهد الجديد بجامعة كلاسكو: "أما مارتن لوثر فقد رفض أن يعطي هذا السفر [الرؤيا] مكانًا في العهد الجديد، وأضافه إلى أسفار أخرى هي رسائل يعقوب ويهوذا وبطرس الثانية والعبرانيين، واقترح أن يضيف هذه في نهاية العهد الجديد". (٣)
_________________
(١) التفسير التطبيقي، نخبة من العلماء اللاهوتيين، ص (٢٧٠٦)، وانظر قاموس الكتاب المقدس، ص (١٧٨). وكلمة (قانونية) استخدمها البابا أثناسيوس والكنيسة من بعده، لتدل على الأسفار التي تعترف بها الكنيسة أنها من وحي الله. انظر: المدخل إلى العهد القديم، القس الدكتور صموئيل يوسف، ص (٣١).
(٢) تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، ص (٩٦).
(٣) تفسير العهد الجديد (سفر الرؤيا)، وليم باركلي، ص (٩).
[ ٩٠ ]