كما يرفض المحققون وسم النصارى لبولس بالرسول، إذ ليس له شاهد على دعواه النبوة إلا شهادته لنفسه بأنه رأى المسيح فجعله رسولًا، ومثل هذه الشهادة لا يعتد بها (انظر يوحنا ٥/ ٣١) كما قد رفض المحققون - كما أسلفنا - قصة تجلي المسيح له التي رواها عنه تلميذه لوقا في سفر أعمال الرسل لما فيها من تناقضات تبطل قدسيتها ووقوعها.
كما وجد المحققون في أقوال بولس ما يستحيل أن يصدر من نبي ورسول.
فمن ذلك إساءته الأدب مع الله في قوله: "لأن جهالة الله أحكم من الناس، وضعف الله أقوى من الناس" (كورنثوس (١) ١/ ٢٥)، فلا يقبل أن يقال بأن لله ضعفًا أو جهالة من أحد، سواء كان رسولًا أو غير رسول، وصدور مثله عن الرسل محال، إذ هم أعرف الناس بربهم العليم القوي المتعال.
ومثله يقول بولس: "لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله" (كورنثوس (١) ٢/ ١٠).
ويقول مستحلًا المحرمات: "كل الأشياء تحل لي" (كورنثوس (١) ٦/ ١٢).
يقول التفسير التطبيقي للكتاب المقدس تعليقًا على هذه الفقرة: "استغلت الكنيسة هذا القول أسوأ استغلال في أوقات كثيرة، فكان بعض المسيحيين يبررون الكثير من
_________________
(١) ما هي النصرانية، محمد تقي العثماني، ص (١٧٠ - ١٧٤)، المسيح في الأناجيل بشر، ممدوح جاد، ص (١١٠ - ١١٢)، مسيحية بلا مسيح، كامل سعفان، ص (١٨ - ١٩).
[ ٤٧ ]
خطاياهم بالقول إن المسيح قد رفع كل خطية، فأصبح لهم الحرية أن يعيشوا كما يشاؤون". (١) وأقول: هل ينتظر من الشوك العنب؟!
فإن هذا القول من بولس يتطابق مع ما جاء به من إلغائه الناموس واحتقاره ووصفه له بالعتق والشيخوخة، ومثل هذا الموقف لا يكون من الأنبياء والرسل الذي تأتي دعوتهم لتؤكد على طاعة الله وتدعو إلى السير وفق شريعته، يقول (٢): " فإنه يصير إبطال الوصية السابقة (التوراة وشرائعها المختصة بالكهنوت اللاوي) من أجل ضعفها وعدم نفعها، إذ الناموس لم يكمل شيئًا، ولكن يصير إدخال رجاء أفضل به نقترب إلى الله " (عبرانيين ٧/ ١٨ - ١٩).
ويقول مبررًا إلغاء نظام الكهنوت التوراتي: " فإنه لو كان ذلك الأول بلا عيب لما طُلب موضع لثانٍ " (عبرانيين ٨/ ٧).
ويقول عن الناموس أيضًا: " وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال " (عبرانيين ٨/ ١٣)، وهذا كله يناقض ما جاء في سفر إشعيا، وفيه أن الله يقول: " هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي، لا ترجع إليّ فارغة، بل تعمل ما سررت به وتنجح فيما أرسلتها له" (إشعيا ٥٥/ ١١).
ويحكي بولس عن نفسه وضعفه أمام الشهوات بما لا يليق بأحوال الأنبياء، فيقول: "لست أعرف ما أنا أفعله، إذ لست أفعل ما أريد، بل ما أبغضه فإياه أفعل .. لست أفعل الصالح الذي أريده، بل الشر الذي لست أريده فإياه أفعل .. أرى ناموسًا آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني، ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي،
_________________
(١) التفسير التطبيقي، نخبة من العلماء اللاهوتيين، ص (٢٤٣٣).
(٢) رسالة العبرانيين لا يعرف قائلها على الحقيقة، لكن بعض المفسرين نسبها إلى بولس - من غير دليل عليه -، قد نسبنا هذه الأقوال إليه تبعًا لهؤلاء المفسرين.
[ ٤٨ ]
ويحي أنا الإنسان الشقي" (رومية ٧/ ١٥ - ٢٤).
وأما المعجزات المذكورة له في الرسائل (أعمال ١٤/ ٣) (انظر قصة شفائه للمقعد في أعمال ١٤/ ٨ - ١١)، وقصة إحيائه أفتيخوس في أعمال ٢٠/ ٩ - ١٢) فلا تصلح دليلًا على نبوته لأن المسيح أخبر بمقدم الكذبة المضلين الذين يصنعون العجائب وحذر من الاغترار بمعجزاتهم (انظر متى ٢٤/ ٤ - ٢٥)، فقد يكون بولس أحد هؤلاء الكذابين الذين يعطون الآيات والعجائب، التي تضل حتى المختارين من التلاميذ.
كما أن الأعاجيب - وكما سبق - لا تصلح أكثر من دليل على الإيمان فحسب، إذ كل مؤمن - حسب الإنجيل - يستطيع أن يأتي بإحياء الموتى وشفاء المرضى، بل أكثر من ذلك (انظر متى ١٧/ ٢٠) و(يوحنا ١٤/ ١٢).
ويقول يوحنا محذرًا من الأنبياء الكذبة: "قد صار الآن أضداد المسيح، منا خرجوا، لكنهم لم يكونوا منا، لأنهم لو كانوا منا لبقوا معنا من هو الكذاب إلا الذي ينكر أن يسوع هو المسيح، هذا هو ضد المسيح احذروا الذين يضلونكم" (يوحنا (١) ٢/ ٢٢).
وقد حذر بطرس أيضًا فقال: "كان أيضًا في الشعب أنبياء كذبة، كما سيكون فيكم أيضًا معلمون كذبة، الذين يدسون بدع هلاك " (بطرس (٢) ٢/ ١ - ٣).
وهكذا كما قال المسيح عن هؤلاء المبطلين: "من ثمارهم تعرفونهم" (متى ٧/ ٥ - ٢٣)، فقد كانت ثمار بولس بدع الهلاك التي أدخلها في المسيحية: ألوهية المسيح، الصلب والفداء، عالمية النصرانية، إلغاء الشريعة.