وإذا كان بولس قد أنشأ البدع في النصرانية، وبدل دين المسيح كيفما شاء، فما هو موقف التلاميذ منه، وهل شاركوه التغير والتبديل؟
بداية نذكر بأن بولس لم يتلق شيئًا من النصرانية من المسيح أو تلاميذه، فهو لم يصحبهم بل لم ير منهم سوى بطرس ويعقوب ولمدة خمسة عشر يومًا، وذلك بعد ثلاث سنين من تنصره، ثم عاد مرة أخرى أورشليم، وعرض عليهم ما كان يدعو به بعيدًا عنهم يقول بولس: "ثم بعد أربع عشر سنة صعدت أيضًا إلى أورشليم مع برنابا وإنما صعدت بموجب إعلان وعرضت عليهم الإنجيل الذي أكرز به بين الأمم" (غلاطية ٢/ ١ - ٢) فماذا كان ردة فعل التلاميذ؟
يقول بولس وهو ينقل لنا ردود أفعال التلاميذ: "فإن هؤلاء المعتبرين لم يشيروا علي بشيء بالعكس، إذ رأوا أني اؤتمنت على إنجيل الغرلة كما بطرس على إنجيل الختان .. أعطوني برنابا يمين الشركة لنكون نحن للأمم، وأما هم للختان وهذا عينه ما كنت اعتنيت أن أفعله" (غلاطية ٢/ ٧ - ١٠).
إذا كان ما يقوله بولس صحيحًا فإن التلاميذ أبعدوا بولس بعيدًا عن اليهود الذين بعث إليهم المسيح وأوصى تلاميذه مرة بعد مرة أن يقوموا بدعوتهم، وأما إرسال برنابا معه فيبدو أنه كان بقصد التوجيه والإصلاح لبولس، وهو يقوم بدعوة الوثنيين الغلف في الغرب.
[ ٥٠ ]
ثم يسجل بولس في رسائله آراء تلاميذ المسيح والمسيحيين في مبادئه الجديدة ودعوته فيقول: "جميع الذين في آسيا ارتدوا عني" (تيموثاوس (٢) ١/ ١٥)، وقد انفض عنه الجميع، لذا يستنجد بتيموثاوس فيقول: "بادر أن تجيء إلي سريعًا، لأن ديماس قد تركني، إذ أحب العالم الحاضر، وذهب إلى تسالونيكي لوقا وحده معي، اسكندر النحاس أظهر لي شرورًا كثيرة، ليجازه الرب حسب أعماله، فاحتفظ منه أنت أيضًا، لأنه قاوم أقوالنا جدًا، في اجتماعي الأول لم يحضر أحد معي، بل الجميع تركوني، لا يحسب عليهم (١) " (تيموثاوس (٢) ٤/ ٩ - ١٦)، "لما خرجت من مكدونية لم تشاركني كنيسة واحدة في حساب العطاء والأخذ" (فيلبي ٤/ ١٥).
ويحذر بولس أنصاره من التلاميذ فيقول: "كونوا متمثلين بي لأن كثيرين يسيرون ممن كنت أذكرهم لكم مرارًا، والآن أذكرهم أيضًا باكيًا وهم أعداء صليب المسيح، الذين نهايتهم الهلاك، الذين إلههم بطونهم، ومجدهم في خزيهم " (فيلبي ٣/ ١٧ - ١٩) لقد رفض كثيرون دعواه صلب المسيح، فكان عاقبتهم اتهامات بولس لهم بالغواية وسلوك طريق الهلاك.
وفي أنحاء متفرقة من رسائله يتحدث عن أولئك الرافضين لدعوته من غير أن يسميهم، فيقول في بعض ما تمتلئ به رسائله موصيًا تيموثاوس: "طلبت إليك أن تمكث في أفسس، إذ كنت أنا ذاهبًا إلى مكدونية، لكي توصي قومًا أن لا يعلموا تعليمًا آخر، ولا يصغوا إلى خرافات وأنساب لا حد لها، تسبب مباحث دون بنيان الله في الإيمان" (تيموثاوس (١) ١/ ٣ - ٥).
ويقول معتبرًا نفسه صاحب التعاليم الصحيحة للمسيح الذي لم يلقه: "إن أحد يعلم تعليمًا آخر، لا يوافق كلمات ربنا يسوع المسيح الصحيحة، والتعليم الذي هو
_________________
(١) أي اغفر لهم، كما في الترجمة العربية المشتركة.
[ ٥١ ]
حسب التقوى فقد تصلف، وهو لا يفهم شيئًا، بل هو متعلل بمباحثات وممحاكات الكلام التي منها يحصل الحسد والخصام والافتراء والظنون المروجة، ومنازعات أناس فاسدي الذهن عادمي الحق، يظنون أن التقوى تجارة تجذب مثل هؤلاء" (تيموثاوس (١) ٦/ ٣ - ٥)، ويقول منددًا بمخالفيه: "انظروا الكلاب، انظروا فعلة الشر " (فيلبي ٣/ ٢).
وعلى هذا المنوال تمتلئ رسائله بالهجوم على معارضيه من النصارى، فيتهمهم بسائر أنواع التهم من كفر ونفاق (انظر كولوسي ٤/ ١٠ - ١١، فيلبي ٢/ ١٩ - ٣١، تيطس ١/ ٩ - ١٣، تيموثاوس (١) ١/ ٣ - ٧، ٢/ ٢٣، ٦/ ٢٠ - ٣٤) وغيرها.
ويقول عن تلاميذ المسيح: "لكن بسبب الإخوة الكذبة، المدخلين خفية، الذين دخلوا اختلاسًا ليتجسسوا حريتنا التي لنا في المسيح كي يستعبدونا، الذين لم نذعن لهم بالخضوع ولا ساعة .. " (غلاطية ٢/ ٤ - ٥)، ومما يؤكد أن قصده التلاميذ، لا غيرهم، قوله: " الذين لم نذعن لهم بالخضوع ولا ساعة".
وينال بولس من بعض تلاميذ المسيح الذين يقول عنهم المسيح: "ليس أنتم اخترتموني، بل أنا اخترتكم وأقمتكم، لتذهبوا وتأتوا بثمر، ويدوم ثمركم" (يوحنا ١٥/ ١٦)، لكن بولس ومدرسته لم تبق لهم ثمرًا، ولم تخلد لهم فكرًا ولا كتبًا، فيما سوى بعض الصفحات القليلة.
ويتهم بولس بطرس كبير الحواريين بالرياء فيقول: "لما أتى بطرس إلى أنطاكية قاومته مواجهة، لأنه كان ملومًا راءى معه باقي اليهود أيضا، حتى إن برنابا انقاد إلى ريائهم، لكن لما رأيت أنهم لا يسلكون باستقامة حسب حق الإنجيل قلت لبطرس قدام الجميع: إن كنت وأنت يهودي تعيش أمميًا لا يهوديًا! فلماذا تلزم الأمم أن يتهوّدوا " (غلاطية ٢/ ١١ - ١٤).
[ ٥٢ ]
ويقول منددًا ومحذرًا من أولئك الذين تركوا دعوته: "وأما الأقوال الباطلة الدنسة فاجتنبها، الذين ينصرفون إلى أكثر فجور الذين منهم هيمينايس وفيليتس الذين زاغا عن الحق" (تيموثاوس (٢) ٢/ ١٦).