لو تتبعنا الأناجيل لما وجدنا ما يشعر بأن أيًا منها صادر من مُلهَم يكتب وحيًا، فمثلًا لم يستطع يوحنا تقدير المسافة التي قطعها التلاميذ في البحر قبل أن يروا المسيح فقال: "فلما كانوا قد جذفوا نحو خمس وعشرين أو ثلاثين غلوة نظروا يسوع ماشيًا على البحر " (يوحنا ٦/ ١٩)، ولو كان يلهم ما يكتب من الوحي لما وقع في مثل هذا.
[ ٢٦ ]
ومثله في خاتمة يوحنا يقول: " وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله" (يوحنا ٢٠/ ٣٠ - ٣١)، وقد كتبه بطلب من أساقفة آسيا لا الروح القدس، وهو لا يقول بأن الله ألهمه ذلك.
ويقول: " هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا، وكتب هذا، ونعلم أن شهادته حق " فلم يذكر شيئًا عن إلهام هذا الإنجيل، ثم قال بعدها ما أثبت صفة البشرية لكلامه "وأشياء أخرى كثيرة صنعها يسوع، إن كتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة " (يوحنا ٢١/ ٢٤ - ٢٥)، فمثل هذه المبالغة لا يغيب أنها صنعة بشرية لعادة البشر في ذلك. (١)
وعلاوة على هذا كله فإن في الرسائل فقرات تنفي هي عن نفسها دعوى الإلهام وتكذبه، وتشهد لصاحبها بأنه يتحدث ببشرية تامة، وأن الوحي لا علاقة له بما يكتب.
ومن ذلك قول بولس عن المتزوج بغير المؤمنة: " أقول لهم أنا، لا الرب " (كورنثوس (١) ٧/ ١٢)، فكلامه في هذه المسألة لا علاقة له بالوحي، لكنهم مع ذلك يعتبرونه جزءًا من كلمة الله.
ويقول عن أمر آخر: "وأما العذارى فليس عندي أمر من الرب فيهنّ، ولكنني أعطي رأيًا" (كورنثوس (١) ٧/ ٢٥)، فهل نصدق بولس، وهو يصف كلامه هنا بأنه رأي شخصي أم نصدق النصارى الذين يقولون عن هذه العبارات أنها أيضًا ملهمة من قبل الله ووحيه؟
ويؤكد بولس ثانية أن بعض ما يصدر عنه هو محض رأي بشري واجتهاد شخصي منه، فيقول: "لست أقول على سبيل الأمر، بل باجتهاد أعطي رأيًا في هذا
_________________
(١) انظر: إظهار الحق، رحمة الله الهندي (٢/ ٣٦٢)، مناظرتان في استكهولم، أحمد ديدات، ص (٢٧ - ٢٨).
[ ٢٧ ]
أيضًا " (كورنثوس (٢) ٨/ ٨ - ١٠).
ويقول بولس أيضًا وهو ينفي عن كلامه صفة القداسة: " الذي أتكلم به لست أتكلم به بحسب الرب، بل كأنه في غباوة في جسارة الافتخار هذه " (كورنثوس (٢) ١١/ ١٦ - ١٧).
وقد وردت هذه الكلمات ضمن سياق مهم يصرخ بأن هذا الكلام رسالة شخصية لا علاقة لله به، إذ يقول: " أقول أيضًا: لا يظن أحد أني غبي، وإلا فاقبلوني ولو كغبي، لأفتخر أنا أيضًا قليلًا. الذي أتكلم به لست أتكلم به بحسب الرب، بل كأنه في غباوة في جسارة الافتخار هذه. بما أن كثيرين يفتخرون حسب الجسد، أفتخر أنا أيضًا.
فإنكم بسرور تحتملون الأغبياء، إذ أنتم عقلاء. لأنكم تحتملون إن كان أحد يستعبدكم. إن كان أحد يأكلكم. إن كان أحد يأخذكم. إن كان أحد يرتفع. إن كان أحد يضربكم على وجوهكم.
على سبيل الهوان أقول: كيف أننا كنا ضعفاء. ولكن الذي يجترئ فيه أحد أقول في غباوة، أنا أيضًا اجترئ فيه. أهم عبرانيون؟ فأنا أيضًا، أهم إسرائيليون؟ فأنا أيضًا. أهم نسل إبراهيم؟ فأنا أيضًا، أهم خدام المسيح؟
أقول كمختل العقل: فأنا أفضل، في الأتعاب أكثر، في الضربات أوفر" (كورنثوس (٢) ١١/ ١٥ - ٢٤)، فهل أوحي إليه أن يصف نفسه حال بلاغه للوحي أنه مختل العقل وأنه غبي
ويقول متحدثًا إلى مستمعيه متلطفًا لهم: " ليتكم تحتملون غباوتي قليلًا" (كورنثوس (٢) ١١/ ١)، فهل أوحى الله له أن يصف نفسه بالغباء، وهل يعتذر الله ويخشى أن يكون ملهَمه قد أثقل على أولئك الذين يقرؤون رسالته.
[ ٢٨ ]
ويقول معتذرًا، والمفروض أن القائل وحي الله الذي يسجله بولس: "لقد اجترأت كثيرًا فيما قلت أيها الإخوة" (رومية ١٥/ ١٥).