أما الكيفية التي اختارت بها الكنيسة هذه الأناجيل دون غيرها، ومكان الاختيار فلا يوجد أي تفصيل عند النصارى عن هذه النقطة سوى ما ذكره المدخل الفرنسي للعهد الجديد: "يبدو أن مقياس نسبة المؤلف إلى الرسل استعمل استعمالًا كبيرًا، ففقد رويدًا رويدًا كل مؤلَف لم تثبت نسبته إلى رسول من الرسل ما كان له من الحظوة ".
ولكن هذا القول إنما يصح لو كانت هذه الأناجيل جميعًا قانونية، ثم بدأ بعضها يفقد بريقه عند التحقيق والتدقيق، بينما حصل العكس في تاريخ الكتاب المقدس، إذ لم يعتبر شيء من هذه الكتب قانونيًا، ثم بدأ في الاختيار فيما بعد، ويقول الأب كننغسر بأن الأناجيل التي رفضت هي التي لا تتفق مع الخط الأرثوذكسي. (١)
ويوضح الصورة - بدقة أكثر - الدكتور واين جردوم أستاذ كلية اللاهوت في ترينتي فيقول: "علينا أن نعي أنه ليس من المستحيل أو من المستهجن أن ترتكز الكنيسة على مجموعة من العوامل، منها الدعم الرسولي، والتناغم مع سائر الأسفار الكتابية، وإدراك أغلبية ساحقة من المؤمنين أن كتابة معينة هي موحى بها من الله، لكي تقرر أن كتابة معينة هي حقًا كلمات الله، وتندرج بالتالي ضمن القانون". (٢)
وعليه فهذه الأسفار أضحت مقدسة وفق مجموعة من المعطيات البشرية التي جعلت من كلام البشر كلامًا إلهيًا موحى به، وهذا الأمر استدعى مرور عشرات السنين قبل أن تتوافق المسيحية على كتابها الذي تسميه اليوم بالعهد الجديد، فمتى حصل هذا التوافق؟
_________________
(١) انظر: اختلافات في تراجم الكتاب المقدس، أحمد عبد الوهاب، ص (٧٩ - ٨١)، الكتاب المقدس في الميزان، عبد السلام محمد، ص (٨٩ - ٩١).
(٢) كيف يفكر الإنجيليون في أساسيات الإيمان المسيحي، واين جردوم، ص (٤٩).
[ ١٢٠ ]
يجيب فيلسيان شالي أن القرن الرابع شهد الصياغة النهائية للعهد الجديد الذي يتكون من النصوص السائدة بين الكنائس، يقول شالي: "تكون هذا القانون بصورة نهائية في القرن الرابع، وقد اضطروا لتكوينه بجمع الكتابات التي تقرأ في الكنائس الكبرى، والتي اعتبرت متفقة مع الآراء المتوسطة المقبولة من المسيحية في ذلك العهد". (١)
وهذا لا يعني أنه لم يقر شيء من الأسفار قبل ذلك، فإنه من المتفق عليه عند مؤرخي الكنيسة أن الأناجيل الأربعة ورسائل بولس قد أقرت في أواخر القرن الثاني، وكان أول من ذكر الأناجيل الأربعة المؤرخ أرينيوس سنة ٢٠٠م تقريبًا، ثم ذكرها كليمنس السكندري، ودافع عنها، واعتبرها واجبة التسليم.
يقول الدكتور دوود ويل في كتابه "أطروحة حول ايرينوس": " نحن على يقين بأن كتابات كل من أكليمنس الرومي، هرماس، أغناطيوس، وبوليكارب، والذين كتبوا بعد التاريخ المفروض لكتبة الأناجيل ليس بها أي ذكر لهذه الكتب الأربعة ".
وأما جوستين (الشهيد) أحد أبرز آباء الكنيسة فقد كتب في منتصف القرن الثاني مستدلًا لألوهية المسيح بأكثر من ثلاثمائة نص من العهد القديم ونحو مائة من الأناجيل المرفوضة، ولم ينقل نصًا واحدًا من الأناجيل الأربعة، بل لم يشر إليها البتة، يقول البطريرك الدكتور قايلز في كتابه "السجل المسيحي": " هذه الأسماء متى ومرقس ولوقا ويوحنا لم يذكرها جوستين، ولا أي نص منها نجده في أي من كتاباته".
وأما بقية أسفار العهد الجديد فقد بقيت موضع نزاع بين الكنائس طوال القرن الثالث، وقد قبلت بعض الكتب في الكنائس الشرقية كالرسالة إلى العبرانيين، بينما رفضها أتباع الكنائس الغربية، وقبلوا رؤيا يوحنا اللاهوتي. (٢)
_________________
(١) موجز تاريخ الأديان، فيلسيان شالي، ص (٢٢٧).
(٢) انظر: إظهار الحق، رحمة الله الهندي (٢/ ٣٨١).
[ ١٢١ ]