ومما يدل على براءة المسلمين من هذا الإنجيل اختلافه في طريقة صياغته وأسلوبه عن طريقة العرب وأسلوبهم، فليس في المسلمين من يذكر الله ولا يثني عليه. أو يذكر الأنبياء ولا يصلي عليهم.
كما يخالف إنجيل برنابا المعتقدات الإسلامية في مسائل منها قوله بأن الجحيم للخطاة السبعة: المتكبر والحسود والطماع والزاني والكسلان والنَهِم والغضِب المستشيط. (انظر برنابا ١٣٥/ ٤ - ٤٤) وقد ترك ذنوبًا أكبر كالشرك والقتل، كما أن الكسِل والنهِم لا يستحقان النار.
ومثله قوله: " دعوا الخوف للذي لم يقطع غرلته، لأنه محروم من الفردوس " (برنابا ٢٣/ ١٧)، فمثل هذا لا يوافقه عليه مسلم.
ومثله تسمية الله " العجيب " (برنابا ٢١٦/ ٣)، وهو ليس من أسماء الله الحسنى، وأسماء الله عند المسلمين توقيفية، لا يجوز لأحد أن يزيد عليها.
وكذا قوله عن الله: " إن الله روح " (برنابا ٨٢/ ٦) والأرواح عندنا مخلوقة.
ويتحدث عن الله، فيصفه أنه " المبارَك " (برنابا ٧١/ ١٦)، ولا يمكن لمسلم أن يقول عن الله ذلك، إذ هو الذي يبارِك، ومن ذا الذي يبارك الله جل وعلا!!! فتبارك الله أحسن الخالقين.
ومما يرد أيضًا انتحال مسلم لإنجيل برنابا قوله: " أقول لكم إذًا: إن السماوات تسع " (برنابا ١٠٥/ ٣)، ولا يقول بهذا مسلم قرأ القرآن.
[ ١٣٣ ]
وأيضًا يذكر برنابا تسميات للملائكة لم يقل بها المسلمون، وفي ذلك ذكر اسم رفائيل وأوريل في قوله: " أمر جبريل وميخائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم فجاء الملائكة الأطهار " (برنابا ٢١٥/ ٤ - ٥).
ثم قد ورد اسم الرسول " محمد " خمس عشرة مرة في إنجيل برنابا، ولم يرد اسمه " أحمد " مرة واحدة، ولو كان الكاتب مسلمًا لعمد إلى كتابته - ولو مرة واحدة ليحقق التوافق الحرفي مع ما جاء في سورة الصف ﴿ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ (الصف: ٦).
ثم لو كان كاتبه مسلمًا لكتب معجزة كلام المسيح في المهد التي ذكرها القرآن وأغفلتها الأناجيل، وغير ذلك من المسائل التي تثور في وجه من يقول بانتحال مسلم لهذا الإنجيل.
وحين يدفع المسلمون القول بأن إنجيل برنابا منحول، ليس لجزمهم بصحة نسبة الإنجيل إلى برنابا، بل لجزمهم بأن هذا الإنجيل لا يقل حاله بحال من الأحوال عن سائر أسفار العهد القديم والجديد.
ويوافق المسلمون النصارى في اعتراضهم على هذا الإنجيل، ودعواهم بأنه لم يصل بطريق موثق، وأنه لا يعلم أصله، لكن الحال الذي ينكرونه في إنجيل برنابا هو حال كل صحيفة من صحائف الكتاب المقدس.
بل إن لإنجيل برنابا مزية على سائر الأناجيل، فقد صرح فيه الكاتب أنه برنابا، ويقول عن نفسه في سائر صفحات الإنجيل: فقال لي برنابا، وقلت للمسيح ، بينما لا تجد مثله في سائر الأناجيل (انظر متى ٩/ ٩) و(يوحنا ٢١/ ٢٤).
وأما عن أخطاء الإنجيل التاريخية أو ذكره تسمية "جبل طابور" (برنابا ٤٢/ ٢٠) وهي تسمية غير معهودة أيام المسيح، فهذا لا يختلف أبدًا عن ذكر حبرون في عهد
[ ١٣٤ ]
موسى، وقد سميت بعده (انظر التكوين ١٣/ ١٨).
ولعل هذه التسمية الجديدة - إن صحت جدتها - من عمل الناسخ وتدخله في النص.
ثم إن أسلوب الكاتب ومعلومات الإنجيل يؤكدان بأن الكاتب ضليع في علوم الكتاب المقدس، متصف بعمق واسع يليق ببرنابا داعية النصرانية في الجيل الأول، فليس بمستغرب أن يكون قد كتب إنجيلًا، ومنع قراءته دليل وجوده بل واشتهاره.
وأما مخالفة الإنجيل للحقائق التاريخية فلكونه عملًا بشريًا، ولا حرج في ذلك، إذ أن النصارى ينسبون مثل هذه المخالفات إلى أسفار الوحي.
وقول برنابا: " الكذب فضيلة " لا يختلف كثيرًا عن قول بولس عن نفسه بأنه روماني كذبًا (انظر أعمال ٢٣/ ٢٥)، ثم قوله: " فإنه إن كان صدق الله قد ازداد بكذبي لمجده " (رومية ٣/ ٧)، فصدور هذا الاعتراض من النصارى لا يقبل.
وأما التشابه بين أقوال الشاعر دانتي وإنجيل برنابا فهو لا يعني جزمًا بأن كاتب الإنجيل كان بعد دانتي، بل قد يكون دانتي هو المستفيد من برنابا.
ثم إن التشابه لا يعني بالضرورة نقل اللاحق عن السابق دائمًا، وإلا لزم أن نقول بأن أسفار التوراة التشريعية منقولة عن قوانين حمورابي للتشابه الكبير بينهما.
وأخيرًا، فإنه لو كان كاتب الإنجيل في العصور الوسطى لما وقع بتلك الأخطاء في الإحالة إلى أسفار التوراة، ولكان أيضًا قد اهتم بالتنديد بالأناجيل الأخرى، ولكنه لم يصنع لسبب بسيط، وهو أنه كتب إنجيله قبل انتشار هذه الأناجيل.
ولو كان الإنجيل منحولًا لندد مؤلفه بالتثليث وكتب في إبطاله، لكنه لم يتحدث عنه، فدل ذلك على أن زمن الكتابة سابق على دعوى التثليث التي ظهرت في القرن الميلادي الرابع.
[ ١٣٥ ]
وهكذا نرى أن إنجيل برنابا لا يختلف من ناحية الإسناد كثيرًا عن الأناجيل الأربعة، لكنه الإنجيل الوحيد الذي صرح فيه كاتبه باسمه وبأنه شاهد لما يكتب، وأما متنه فكان أكثر اتساقًا من جميع الأناجيل، متميزًا بترابطه وجمال أسلوبه ومعرفته الكبيرة بالعهد القديم وأسفاره، وهو ما يليق حقًا بداعية النصرانية في الصدر الأول: برنابا.
وقد كانت مضامين هذا الإنجيل متفقة إلى حد بعيد مع ما يعهد في رسالات الله إلى أنبيائه، وحُقَّ لتولاند ١٧١٨م في كتابه " الناصري " أن يقول عند ظهور هذا الإنجيل: " أقول على النصرانية السلام ". وكذا قوله: " إن مد النصرانية قد وقف من ذلك اليوم .. إن المسيحية ستتلاشى تدريجيًا حتى تنمحي من الوجود ". (١)
_________________
(١) انظر: معاول الهدم والتدمير في النصرانية والتبشير، إبراهيم الجبهان، ص (٦٢ - ٦٣).
[ ١٣٦ ]