ومن الأغلاط ما ذكره متى عن مكث ابن الإنسان (المسيح) في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال، حيث يقول: " أجاب قوم من الكتبة والفريسيين قائلين: يا معلّم نريد أن نرى منك آية. فأجاب وقال لهم: جيل شرير وفاسق يطلب آية، ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي، لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال" (متى ١٢/ ٣٨ - ٤٠).
ومن المعلوم في الأناجيل أن المسيح صلب يوم الجمعة، ودفن ليلة السبت، وخرج من قبره قبل فجر الأحد، أي لم يمكث في القبر سوى ليلة السبت ويوم السبت وليلة الأحد. وهو ما يعدل ليلتين ويوم، وليس ثلاثة أيام وثلاث ليال، كما أخبر متى.
وقد اعترف بالسي وشلز أن متى قد غلط، وزعم أنه أخطأ في فهم كلام المسيح، فهذا التفسير بالبقاء ثلاثة أيام وثلاث ليال في الأرض كان من جانبه، وأما مقصود المسيح فهو: " أن أهل نينوي كما آمنوا بسماع الوعظ وما طلبوا معجزة، كذلك فليرضَ الناس مني بسماع الوعظ".
وأما يوحنا فم الذهب فيحاول في تفسيره تحوير النص فيقول: إن الثلاثة أيام والثلاثة ليال تحسب من يوم الخميس حين أكل المسيح العشاء مع التلاميذ وتحول
[ ١٤٥ ]
الطعام إلى جسده، فبطن الأرض مجاز عن بطونهم. (١) وهو قول ممجوج واضح التكلف.
وأما الأب متى المسكين فاجتهد في إبقاء المسيح في بطن الأرض هذه المدة، فاعتبر ما أدركه المسيح من دقائق قبل غروب شمس يوم الجمعة يومًا أولًا وليلة أولى، كما اعتبر فجر الأحد يومًا كاملًاَ (٢)، مع أن المسيح لم يكن في القبر أول الفجر، كما يقول لوقا " في أول الأسبوع، أول الفجر أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه ومعهنّ أناس، فوجدن الحجر مدحرجًا عن القبر، فدخلن ولم يجدن جسد الرب يسوع" (لوقا ٢٤/ ١ - ٣) أي لم يدرك شيئا من النهار، ومع ذلك اعتبره الأب المسكين يومًا كاملًا، ولا غرابة فقد جعل دقائق ما قبل الغروب يومًا كاملًا وليلة كاملة.
وأما تفسير بالسي وشلز فهو اعتذار لا يقبل، لأنه قد جاء مثل هذا القول عند غير متى، ففي يوحنا قال لهم: " انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه "، فلم يفهم اليهود كلامه، وظنوه يتحدث عن هيكل سليمان "وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده، فلما قام من الأموات تذكر تلاميذه أنه قال هذا" (يوحنا ٢/ ١٩ - ٢٤)، ولكنه قد قام في اليوم الثاني، وبعد مضي ليلتين فقط.
وقال لوقا: " إنه ينبغي أن يسلم ابن الإنسان في أيدي أناس خطاة، ويصلب، وفي اليوم الثالث يقوم " (لوقا ٢٤/ ٧)، وفي مرقس " ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم " (مرقس ١٠/ ٣٤)، وقيامته هي القيامة من الموت، وقد قام في اليوم الثاني من الموت المزعوم.
_________________
(١) انظر: إظهار الحق، رحمة الله الهندي (٢/ ٣١٨).
(٢) انظر: الإنجيل بحسب القديس متى (دراسة وتفسير وشرح)، الأب متى المسكين، ص (٤١٥ - ٤١٦).
[ ١٤٦ ]