عندما يتحدث النصارى عن إلهامية الأناجيل والرسائل يفهم منه أن ما كتبه الإنجيليون كان وحي الله الذي صاغه بعض البشر بعباراتهم وأساليبهم بعد أن ألهمهم روح القدس ما كانوا يكتبونه.
ولما ثبت لنا وللمحققين من قبل براءة روح القدس من هذه الأناجيل وجهالة أصحابها، وبطلان دعوى الإلهام المزعومة تساءل المحققون عن مصدر هذه الأناجيل وعن علاقة مواد بعضها ببعض، وهل من سبيل لمعرفة المصادر التي لجأ إليها الكاتبون الذين نسميهم متى ويوحنا ومرقس ولوقا، مجازًا ومجاراة للعرف السائد فحسب؟
منذ القرن الخامس الميلادي حاول النصارى من خلال النظر في التشابه فيما بين الأناجيل معرفة مصادر هذه الأناجيل، وسجلت أول محاولة على يد القديس أوغسطين الذي قال بأن مرقس اقتبس من إنجيل متى ولخصه، وأما لوقا فاستعمل في كتابته الإنجيلين.
وبقي رأي أوغسطين سائدًا حتى نهاية القرن التاسع عشر، حيث أظهرت الدراسات الحديثة نظريات أخرى مخالفة لنظرية أوغسطين وأكثر دقة منها. (١)
وقد لاحظ المحققون وجود تشابه كبير بين الأناجيل الثلاثة، ورأوا أن هؤلاء الإنجيليين نقل بعضهم من بعض، وقبل أن نذكر أهم هذه النظريات، لنقف على مدى التقارب بين الأناجيل الثلاثة التي يسميها البعض الإزائية أو المشتركة (متى ومرقس ولوقا) نتأمل الجدول التالي الذي تورده مقدمة الرهبانية اليسوعية للعهد الجديد، وأما إنجيل يوحنا فهو إنجيل مختلف تمامًا عن هذه الأناجيل الثلاثة.
_________________
(١) انظر: التوراة والإنجيل والقرآن والعلم، موريس بوكاي، ص (٩٥).
[ ٩١ ]
المحتوى مرقس متى لوقا
عدد جمل كل إنجيل ٦٦١ ١٠٦٨ ١١٦٠
جمل مشتركة بين الأناجيل الثلاثة ٣٣٠ ٣٣٠ ٣٣٠
جمل مشتركة بين متى ومرقس ١٧٨ ١٧٨ -
جمل مشتركة بين مرقس ولوقا ١٠٠ - ١٠٠
جمل مشتركة بين متى ولوقا - ٢٣٠ ٢٣٠
جمل مستقلة لكل منهم ٥٣ ٣٣٠ ٥٠٠
وأول نظريات المصادر قدمها هوتزمان ١٨٦٠م، وأفادت هذه النظرية أن متى ولوقا تأثرا بمرقس خلافًا للمشهور حينذاك، كما تأثر متى ولوقا أيضًا بوثيقة مشتركة أخرى غير معروفة في العصور الحديثة، كما كان لكل من متى ولوقا مصدر خاص نقل عنه كل منهما ما انفرد به.
وقول هوتزمان بأن مرقس أصل لمتى ولوقا، تقول عنه دائرة المعارف البريطانية: " يكاد يكون مسلمًا به ".
وأما إنجيل مرقس فالسائد عنه ما يقوله ابن البطريق: " كتب بطرس رئيس الحواريين إنجيل مرقس عن مرقس في مدينة رومية، ونسبه إلى مرقس "، ولا يخفى غرابة هذا القول، إذ كيف ينقل بطرس الحواري عن مرقس الذي لا دليل على لقياه المسيح؟!
وأما القول بأن مرقس أخذ عن بطرس إنجيله بعد أن رافقه في أسفاره فهو قول ممكن، لو ثبت نسبة الإنجيل إليه وكان قد رافق بطرس الحواري حقًا كما ذكر المؤرخ الأسقف بابياس ت ١٣٠م حين قال: " إن مرقس كان ترجمانًا لبطرس، قد كتب بالقدر الكافي من الدقة التي سمحت بها ذاكرته ما قيل عن أعمال يسوع وأقواله دون مراعاة لنظام، لأن مرقس لم يكن قد سمع يسوع، ولا كان تابعًا شخصيًا له، لكنه في
[ ٩٢ ]
مرحلة متأخرة - كما قلت أنا من قبل - قد تبع بطرس ".
لكن الدراسات الأحدث والأعمق قام بها الأبوان بينوا وبومارا الأستاذان بمعهد الكتاب المقدس بالقدس ١٩٧٢ - ١٩٧٣م تذكر أن النص الإنجيلي مر بمراحل وتطورات مثيرة، يقول الأبوان: " إن بعض قراء هذا الكتاب سيندهشون أو سينزعجون عندما يعلمون أن كلمة المسيح تلك، أو أن ذلك الرمز أو ذلك الخبر عن مصيره، لم تكن ملفوظة كما نقرأها نحن، بل إنها قد نقحت، ثم كيفت من الذين نقلوها إلينا، أما بالنسبة إلى الذين لم يألفوا هذا النوع من البحث العلمي فيمكن أن يكون هذا مصدرًا للدهشة، بل للفضيحة ".
ويذكر الأبوان أن الأناجيل مرت في تدوينها بمرحلتين، حيث وجدت أربع مصادر نقل عنها الإنجيليون بصورة متشابكة، فتكونت كتب وسيطة تمثل الكتابات الأولية للإنجيليين، وفي المرحلة الثانية ظهرت الكتابات النهائية للأناجيل الأربعة بعد أن اعتمد كل منهم وبصورة متشابكة أيضًا على كتابات بعض في المرحلة الأولى أو الأولية.
والمصادر الأولية كما يرى بينوا وبومارا هي:
- الوثيقة (أ) ونبعت من أوساط يهودية مسيحية، وألهمت متى ومرقس.
- الوثيقة (ب) هي المادة التفسيرية للوثيقة (أ)، واستخدمتها الكنائس المسيحية ذات الأصول الوثنية، وألهمت جميع المبشرين ما عدا متى.
- الوثيقة (ج) وألهمت مرقس ولوقا ويوحنا.
- الوثيقة (ق) تكون معظم المصادر الشائعة بين متى ولوقا.
ولم تؤد أية وثيقة من هذه الوثائق الأساسية إلى تحرير النصوص النهائية التي في
[ ٩٣ ]
حوزتنا، فبينها وبين التحرير النهائي توجد تآليف وسيطة خاصة بكل إنجيل". (١)
وهذا الذي نقلناه من حديث النصارى عن المصادر تقره مقدمة العهد الجديد للرهبانية اليسوعية - ورغم الخلاف الواقع في بعض أجزائه واحتمالية أن تظهر نظريات أخرى - فإن مجرد البحث في موضوع هذه المصادر ينقض الادعاء القائل بإلهامية الأناجيل وصلتها بالروح القدس، أو حتى التلاميذ.
وأما تلك الوثائق المجهولة التي نقل عنها كتبة الأناجيل فهي حلقة أخرى من سلسلة المجاهيل التي تكتنف الأناجيل وكتابها وسني تدوينها
_________________
(١) انظر: التوراة والإنجيل والقرآن والعلم، موريس بوكاي، ص (٩٥ - ٩٩).
[ ٩٤ ]