ومن النصوص أيضًا التي تثبت شهادة الواقع خطأ الإنجيليين فيها، لأن المسيح لا يكذب، ولا يمكن أن يقول ما نسب إليه فيها، إذ هو من الخطأ البيّن.
من ذلك ما جاء في خاتمة مرقس، ففيها أن المسيح ظهر لتلاميذه بعد الصلب وقال لهم: "وهذه الآيات تتبع المؤمنين، يخرجون الشياطين باسمي ويتكلمون بألسنة جديدة، يحملون حيّات، وإن شربوا شيئًا مميتًا لا يضرهم، ويضعون أيديهم على المرضى، فيبرؤون " (مرقس ١٦/ ١٧ - ١٨).
وقريبًا من هذا المعنى يقول مرقس بأن المسيح قال لتلاميذه: " ليكن لكم إيمان بالله، لأني الحق أقول لكم: إن من قال لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر، ولا يشك في قلبه بل يؤمن، إن ما يقوله يكون، فمهما قال يكون له " (مرقس ١١/ ٢٢ - ٢٣).
_________________
(١) الإنجيل بحسب القديس متى (دراسة وتفسير وشرح)، الأب متى المسكين، ص (٤٩٩).
[ ١٥١ ]
وفي إنجيل متى: " وكل ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه " (متى ٢١/ ٢٢).
وحين تقدم رجل إلى المسيح يرجوه أن يشفي ابنه من الصرع، ويقول: "لكن إن كنت تستطيع شيئًا، فتحنن علينا، وأعنّا. فقال له يسوع: إن كنت تستطيع أن تؤمن، كل شيء مستطاع للمؤمن، فللوقت صرخ أبو الولد بدموع، وقال: أؤمن يا سيد، فأعِن عدم إيماني" (مرقس ٩/ ٢٣)، لقد أفهمه المسيح أن صنع المعجزات - كل المعجزات - يقدر عليه المؤمنون، وعليه طلب منه الإيمان ليشفي ابنه، فتعهد الرجل بالإيمان، وشفى له المسيح ابنه، لأنه لم يصر بعدُ في عداد المؤمنين.
وينقل يوحنا على لسان المسيح أنه قال: " الحق الحق أقول لكم: من يؤمن بي، فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضًا، ويعمل أعظم منها" (يوحنا ١٤/ ١٢)، فكل مؤمن يستطيع صنع المعجزات الباهرة التي صنعها المسيح من إحياء للموتى وشفاء للمرضى، والتجربة خير برهان!
ومن تشكك في نجاح هذه التجربة فليقرأ هذه السطور للأب متى المسكين، حيث يقول: "أعطني رُكبًا منحنية وقلوبًا صادقة في إيمانها بوعد المسيح، وسوف ترى كيف أن العمي يبصرون، والصم يسمعون، والشُّل والعرج يمشون ويجرون ويرقصون، وكل أنواع الأمراض تشفى، حتى المستعصية، من سرطان وسُل وتليف كبدي وفشل كلوي وأمراض القلب، فالمسيح هو هو، أمس واليوم وإلى الأبد". (١)
أما أولئك الذي يعجزون عن فعل المعجزات ممن يؤمن بقدسية هذا النص، فهؤلاء لا إيمان لهم، إذ يحكى متى عن تقدم التلاميذ إلى يسوع على انفراد ليسألوه عن سبب إخفاقهم في شفاء المصروع فأجابهم: " لعدم إيمانكم، فالحق الحق أقول لكم: لو
_________________
(١) الإنجيل بحسب القديس متى (دراسة وتفسير وشرح)، الأب متى المسكين، ص (٥١٤).
[ ١٥٢ ]
كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل: انتقل من هنا إلى هناك فينتقل، ولا يكون شيء غير ممكن لديكم " (متى ١٧/ ٢٠).
وعليه فكل مؤمن نصراني يستطيع إحياء الموتى وشفاء المرضى وإخراج الشياطين ، وإن لم يصنع ذلك فليس بمؤمن.
ويبالغ يوحنا في عرضه للمعجزات التي يتوارثها النصارى عن المسيح، إذ يقول في نص آخر بأن المسيح قال لليهود: " الحق الحق أقول لكم إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد " وفهم اليهود منه موتًا حقيقيًا فقالوا: " ألعلك أعظم من أنبياء إبراهيم الذي مات، والأنبياء ماتوا " فلم يتهمهم بسوء الفهم بل قال لهم: " إن كنت أمجد نفسي فليس مجدي شيئًا، أبي هو الذي يمجدني" (يوحنا ٨/ ٥١ - ٥٤).
إذًا هذه النصوص تتحدث عن معجزات يصنعها المؤمنون، فهل يتحقق شيء منها في حياة أولئك الذين يدعون الإيمان بالمسيح؟
هل حقق آباء الكنيسة فضلًا عن بقية المؤمنين أمثال معجزة المسيح أو أفضل منها؟ هل أحيوا موتى؟ هل شفوا مرضى؟ هل أتقنوا لغات عدة وصاروا يتكلمون بألسنة مختلفة؟ أم هم غير مؤمنين فلم تقع منهم هذه المعجزات وأمثالها؟
ولو كانت هذه النصوص حقًا من أقوال المسيح لما مات بابوات الكنيسة، ولما رأينا القسس والمبشرين يجتهدون في تعلم اللغات للتبشير ثم قد ينجحون وقد لا ينجحون، ولو كان حقًا لما مات البابا اسكندر السادس ولا غيره من النصارى مسمومًا!!
وفي مناظرة ديدات لكبير قساوسة السويد ستانلي شوبرج وقف واحد من الجمهور، وقرأ على القس شوبرج نص مرقس (١٦/ ١٦ - ١٨)، وطلب إليه إن كان مؤمنًا أن يشرب زجاجة سُم رفعها الرجل بيده قائلًا: " اشرب هذا السائل السام
[ ١٥٣ ]
المميت ولا تمت، لأن عندك إيمان بألوهية يسوع، وعندك إيمان بصدق ".
فتغير وجه شوبرج، وتلعثم في القول، وقال: " إننا لو شربنا شيئًا سامًا لا نموت. إن هذا أمر غريب، أنا مؤمن بالله وبالروح القدس كحقيقة، الروح القدس يخبرنا ماذا سيحدث لنا. لقد قالت لي زوجتي منذ ثلاثين يومًا: يا استانلي كن حذرًا، إن شخصًا ما سيغتالك بالسم أنا أرى الشيطان بداخلك (للسائل)، أنا لا أريد أن أقوم باستعراض ". ثم حمل السمّ وصبه في حوض الزرع.