ومن خلال تأمل ما سبق رأى المحققون أنه ليس ثمة دليل حقيقي عند النصارى على صحة نسبة الإنجيل إلى متى، إذ ليس بالضرورة أن يكتب الجابي معلوماته الدينية كما يكتب متعلقات عمله، كما أن كتابة متى لأقوال المسيح لا تفيد صحة نسبة الإنجيل المنسوب إليه اليوم.
بل إن الأدلة قامت على أن الكاتب لهذا الإنجيل ليس من تلاميذ المسيح. إذ في الإنجيل أمورًا كثيرة تدل على أن كاتبه ليس متى الحواري، ومن هذه الأدلة:
- أن متى اعتمد في إنجيله على إنجيل مرقس، فقد نقل من مرقس ٦٠٠ فقرة من فقرات مرقس الستمائة والاثني عشر، كما اعتمد على وثيقة أخرى يسميها المحققون Q.
يقول ج ب فيلبس أستاذ علم اللاهوت في الكنيسة الإنجليزية في مقدمته لإنجيل متى: " إن القديس متى كان يقتبس من إنجيل القديس مرقس، وكان ينقحه محاولًا الوصول إلى تصور أحسن وأفضل لله ".
ويضيف القس فهيم عزيز في "المدخل إلى الإنجيل" أن اعتماد متى على مرقس حقيقة معروفة لدى جميع الدارسين. فإذا كان متى التلميذ هو كاتب الإنجيل فكيف ينقل عن مرقس الذي كان عمره عشر سنوات أيام دعوة المسيح؟ كيف لأحد التلاميذ
_________________
(١) قاموس الكتاب المقدس، ص (٨٣٢).
[ ٦١ ]
الاثني عشر أن ينقل عنه؟ هل ينقل الشاهد المعاين للأحداث عن الغائب الذي لم يشهدها!؟ (١)
- ثم إن إنجيل متى يذكر متى العشار مرتين، ولم يشر من قريب أو بعيد إلى أنه الكاتب، فقد ذكر اسمه وسط قائمة التلاميذ الاثني عشر، ولم يجعله أولًا ولا آخرًا، ثم لما تحدث عن اتباعه للمسيح استخدم صيغة الغائب، فقال: "وفيما يسوع مجتاز هناك رأى إنسانًا جالسًا عند مكان الجباية اسمه متى فقال له: اتبعني فقام وتبعه" (متى ٩/ ٩).
ولو كان متى هو الكاتب لقال: " قال لي "، " تبعته "، " رآني "، فدل ذلك على أن متى ليس هو كاتب الإنجيل.
- ثم إن التمعن في الإنجيل يبين مدى الثقافة التوراتية الواسعة التي جعلت منه أكثر الإنجيليين اهتمامًا بالنبوءات التوراتية عن المسيح، وهذا لا يتصور أن يصدر من عامل ضرائب، فهذا الكاتب لن يكون متى العشار.
يقول أ. تريكو في شرحه للعهد الجديد (١٩٦٠م): إن الاعتقاد بأن متى هو عشار في كفر ناحوم ناداه عيسى ليتعلم منه، لم يعد مقبولًا، خلافًا لما يزعمه آباء الكنيسة. (٢)