وإذا لم يكن يوحنا هو كاتب الإنجيل، فمن هو الكاتب الحقيقي؟
يجيب القس فهيم عزيز في مدخله إلى الإنجيل: " هذا السؤال صعب، والجواب عنه يتطلب دراسة واسعة غالبًا ما تنتهي بالعبارة: لا يعلم إلا الله وحده من الذي كتب هذا الإنجيل ".
وحاول البعض الإجابة عن السؤال من خلال تحديد صفات كاتب الإنجيل دون ذكر اسم معين، يقول جرانت: " كان نصرانيًا، وبجانب ذلك كان هيلينيًا، ومن المحتمل أن لا يكون يهوديًا، ولكنه شرقي أو إغريقي، ونلمس هذا من عدم وجود دموع في عينيه علامة على الحزن عندما كتب عن هدم مدينة لليهود ".
وجاء في مدخل الإنجيل أن بعض النقاد " يترك اسم المؤلف، ويصفونه بأنه مسيحي كتب باليونانية في أواخر القرن الأول في كنائس آسيا ".
وقال جون مارش مفسر إنجيل يوحنا في تفسيره (ص ٨١): " ومن المحتمل أنه خلال السنوات العشر الأخيرة من القرن الأول الميلادي قام شخص يدعى يوحنا، من الممكن أن يكون يوحنا مرقس خلافًا لما هو شائع من أنه يوحنا بن زبدي .. وقد تجمعت لديه معلومات وفيرة عن يسوع، ومن المحتمل أنه كان على دراية بواحد أو أكثر من الأناجيل المتشابهة، فقام حينئذ بتسجيل جديد لقصة يسوع، اختص بها طائفته الخاصة التي كان تعتبر نفسها عالمية، كما كانت متأثرة بوجود تلاميذ يوحنا المعمدان".
وقال الناقد برطشنيدر (Bretschneider) (ت ١٨٤٨): " إن هذا الإنجيل كله، وكذا رسائل يوحنا ليست من تصنيفه، بل صنفها أحد في ابتداء القرن الثاني، ونسبه إلى يوحنا ليعتبره الناس ".
ويوافقه استادلن، ويرى أن الكاتب " طالب من طلبة المدرسة الإسكندرية ".
[ ٧٨ ]
وقال يوسف الخوري في " تحفة الجيل " بأن كاتب الإنجيل هو تلميذ يوحنا المسمى بروكلوس.
وقال بعض المحققين ومنهم جيمس ماكينون، واستيريتر في كتابه " الأناجيل الأربعة " بأن يوحنا المقصود هو تلميذ آخر من تلاميذ المسيح، وهو (يوحنا الأرشد)، وأن أرينيوس الذي نسب إنجيل يوحنا إلى ابن زبدي قد اختلط عليه أمر التلميذين.
وذكر جورج إيلتون في كتابه " شهادة إنجيل يوحنا " أن كاتب هذا الإنجيل أحد ثلاثة: تلميذ ليوحنا الرسول أو يوحنا الشيخ (وليس الرسول) أو معلم كبير في أفسس مجهول الهوية.
لكن ذلك لم يفت في عضد إيلتون الذي ما زال يعتبر إنجيل يوحنا مقدسًا، لأنه " مهما كانت النظريات حول كاتب هذا الإنجيل، فإن ما يتضح لنا جليًا بأن كاتبه كان لديه فكرة الرسول، فإذا كتبه أحد تلاميذه فإنه بلا مراء كان مشبعًا بروحه .. ".
كما ذهب بعض المحققين إلى وجود أكثر من كاتب للإنجيل، منهم كولمان حين قال: " إن كل شيء يدفع إلى الاعتقاد بأن النص المنشور حاليًا ينتمي إلى أكثر من مؤلف واحد، فيحتمل أن الإنجيل بشكله الذي نملكه اليوم قد نشر بواسطة تلاميذ المؤلف، وأنهم قد أضافوا إليه "، ومثله يقول المدخل لإنجيل يوحنا. (١)
ومن هذا كله ثبت أن إنجيل يوحنا لم يكتبه يوحنا الحواري، ولا يعرف كاتبه الحقيقي، ولا يصح بحال أن ننسب العصمة والقداسة لكاتب مجهول لا نعرف من يكون.
_________________
(١) انظر: إظهار الحق، رحمة الله الهندي (١/ ١٥٥ - ١٥٧)، المسيح في مصادر العقائد المسيحية، أحمد عبد الوهاب، ص (٦٩ - ٧١)، ما هي النصرانية، محمد تقي العثماني، ص (١٤١ - ١٤٥)، التوراة والإنجيل والقرآن والعلم، موريس بوكاي، ص (٩٠ - ٩١).
[ ٧٩ ]
وعند غض الطرف عن مجهولية الكاتب واستحالة القول بعصمته عندئذ، فإن ثمة مشكلات تثار في وجه هذا الإنجيل نبه المحققون إليها منها:
اختلاف هذا الإنجيل عن باقي الأناجيل الثلاثة رغم أن موضوع الأناجيل الأربعة هو تاريخ وسيرة المسيح ﵇.
إذ تتشابه قصة المسيح في الأناجيل الثلاثة، بينما يظهر الإنجيل الرابع غريبًا بينها.
فمثلًا: هو الإنجيل الوحيد الذي تظهر فيه نصوص تأليه المسيح، بل هو كتب لإثبات ذلك كما يقول المفسر يوسف الخوري: " إن يوحنا صنف إنجيله في آخر حياته بطلب من أساقفة كنائس آسيا وغيرها، والسبب: أنه كانت هناك طوائف تنكر لاهوت المسيح ".
ولما لم يكن في الأناجيل الثلاثة ما يدفع أقوال هذه الطوائف، أنشأ يوحنا إنجيله، وهذا المعنى يؤكده جرجس زوين، فيذكر عن أساقفة آسيا أنهم اجتمعوا " والتمسوا منه أن يكتب عن المسيح، وينادي بإنجيل مما لم يكتبه الإنجيليون الآخرون ".
يقول الأب روغيه في كتابه "المدخل إلى الإنجيل":" إنه عالم آخر، فهو يختلف عن بقية الأناجيل في اختيار الموضوعات والخطب والأسلوب والجغرافيا والتاريخ، بل والرؤيا اللاهوتية ".
وهذه المغايرة أوصلته إلى تقديم صورة للمسيح مغايرة تمامًا عما في الأناجيل الثلاثة والتي يسميها البعض: " المتشابهة " أو " الإزائية ".
لذا تقول دائرة المعارف الأمريكية: " من الصعب الجمع بين هذا الإنجيل والأناجيل الثلاثة، بمعنى أن لو قدرنا أنها صحيحة لتحتم أن يكون هذا الإنجيل كاذبًا ".
يقول السير آرثر فندلاي في كتابه "الكون المنشور" معبرًا عن هذا الاختلاف:
[ ٨٠ ]
" إن إنجيل يوحنا ليس له قيمة تستحق الذكر في سرد الحوادث الأكيدة، ويظهر أن محتوياته لعب فيها خيال الكاتب دورًا بعيدًا ". (١)
ومن المشكلات التي تواجه هذا الإنجيل أيضًا أن أيدي المحرفين نالت هذا الإنجيل، فأضافت فيه رواية المرأة الزانية (انظر يوحنا ٨/ ١ - ١١) والتي يقول عنها مدخل الرهبانية اليسوعية إلى هذا الإنجيل: " هناك إجماع على أنها من مرجع مجهول فأدخلت في زمن لاحق". وقد حذفت هذه القصة من النسخة الإنجليزية القياسية المراجعة (R. S. V) لاعتبارها عبارة دخيلة على الإنجيل. (٢)
كما أن كثيرًا من المحققين يعتقدون بأن الإصحاح الأخير ليس من تأليف مؤلف الإنجيل، يقول كرونيس: " إن هذا الإنجيل كان عشرين بابًا فألحقت كنيسة أفسس الباب الحادي والعشرين بعد موت يوحنا ". (٣)
وهذا ما يعترف به كاتبو مقدمة الرهبانية اليسوعية، إذ اعتبرت الإصحاح العشرين خاتمة للإنجيل، واعتبرت الإصحاح الأخير ملحقًا بالإنجيل، وعنه تقول: "يظهر هذا الفصل الأخير، الوارد بعد خاتمة ٢٠/ ٣٠ - ٣١ بمظهر الملحق، ولا تزال مسألة مصدره موضوع نقاش .. وقد يكون هذا الفصل تكملة أضافها بعض تلاميذ يوحنا".
_________________
(١) انظر: ما هي النصرانية، محمد تقي العثماني، ص (١٨١ - ١٨٢)، يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء، رؤوف شلبي، ص (١٦٢ - ١٦٥)، الأناجيل والرسائل بين انقطاع السند وتناقض المتن، محمد الشرقاوي، ص (٥٦)، اختلافات في تراجم الكتاب المقدس، أحمد عبد الوهاب، ص (٨٦).
(٢) انظر: قراءات في الكتاب المقدس، عبد الرحيم محمد (٢/ ٢٧٢)، مسألة صلب المسيح، أحمد ديدات، ص (٦٨)، التوراة والإنجيل والقرآن والعلم، موريس بوكاي، ص (٩١)، وقد وضعت الترجمة العربية المشتركة هذه الفقرات بين معقوفتين، وأشارت في الحاشية إلى فقدها في المخطوطات القديمة والترجمات السريانية واللاتينية.
(٣) انظر: إظهار الحق، رحمة الله الهندي (١/ ١٥٦).
[ ٨١ ]
وهكذا نصل مع القارئ الكريم إلى نتيجة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، وهي أن نسبة الأناجيل الأربعة إلى تلاميذ المسيح مسالة "تثير صعوبات من كل الأنواع، أما اليوم فإنه ينظر إلى الأناجيل جملة، كما لو أنها كتب مجهولة المؤلف". (١) وهذه هي الحقيقة.