وإذا لم يكن متى هو كاتب الإنجيل المنسوب إليه، فمن هو كاتب هذا الإنجيل؟
في الإجابة عن السؤال نقول: نتائج الدراسات الغربية التي أكدت أن هذا الإنجيل قد كتبه غير متى التلميذ، ونسبه إليه منذ القرن الثاني، ولربما يكون هذا الكاتب تلميذًا في مدرسة متى.
ويحاول كولمان وشراح الترجمة المسكونية تحديد بعض الملامح لهذا الكاتب، فالكاتب - كما يظهر في إنجيله - مسيحي يهودي يربط بين التوراة وحياة المسيح، وهو كما يصفه كولمان: يقطع الحبال التي تربطه باليهودية مع حرصه على الاستمرار في خط العهد القديم، فهو كاتب يهودي يحترم الناموس، ويعتبر بذلك من البعيدين عن مدرسة بولس الذي لا يحترم الناموس، بينما يقول هذا الكاتب " فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس، هكذا يدعى أصغر في ملكوت السماوات " (متى ٥/ ١٩). (٢)
_________________
(١) انظر: إظهار الحق، رحمة الله الهندي (٢/ ٥٣٨).
(٢) انظر: التوراة والإنجيل والقرآن والعلم، موريس بوكاي، ص (٨ - ١٢).
[ ٦٤ ]
ومما يؤكد براءة متى من كتابة هذا الإنجيل أن كثيرًا من الشراح والمحققين يرون - كما سبق بيانه - أن الإنجيل كتب بعد سنة ٧٠ م، وهي السنة التي مات فيها متى.
ولو تساءلنا أين الإنجيل الذي كتبه متى كما جاء في شهادة بابياس في القرن الثاني الميلادي؟
وفي الإجابة عن السؤال نقول: ذكر بابياس أن متى كتب وجمع أقوال المسيح، وما نراه في الإنجيل اليوم هو قصة كاملة عن المسيح، وليس جمعًا لأقواله، كما أن عدم صحة نسبة هذا الإنجيل إليه لا تمنع من وجود إنجيل آخر قد كتبه، ولعل من المهم أن نذكر بأن في الأناجيل التي رفضتها الكنيسة إنجيلًا يسمى إنجيل متى، فلعل بابياس عناه بقوله.
وغير بعيد عن هذا الذي انتهينا إليه ما ذهب إليه العلامة ماير، حيث انتهى في بحثه إلى أن ما كتبه التلميذ متى هو أقوال المسيح التي ترجمت فيما بعد إلى اليونانية وصيغت وفق النسق التاريخي الموجود بين أيدينا حاليًا. (١)
وهكذا رأى المحققون أن ثمة أمورًا تمنع القول بأن هذا الإنجيل هو كلمة الله ووحيه وهديه، فهو - وكما يقول الشيخ أبو زهرة - إنجيل " مجهول الكاتب، ومختلف في تاريخ كتابته، ولغة الكتابة، ومكانها، وتحديد من كتب له هذا الإنجيل، ثم شخصية المترجم وحاله من صلاح أو غيره وعلم بالدين، واللغتين التي ترجم عنها، والتي ترجم إليها، كل هذا يؤدي إلى فقد حلقات في البحث العلمي". (٢)
_________________
(١) انظر: الإنجيل بحسب القديس متى (دراسة وتفسير وشرح)، الأب متى المسكين، ص (٢٨).
(٢) محاضرات في النصرانية، محمد أبو زهرة، ص (٥٤).
[ ٦٥ ]