التوراة التي يؤمن بها اليهود والنصارى تتكون من أقسام عدة:
أ) الأسفار الخمسة المنسوبة لموسى والتي يقابلها عند المسلمين: التوراة. وهي: سفر التكوين، سفر الخروج، سفر اللاويين، سفر العدد، سفر التثنية.
ويجدر التنبيه إلى أن فرقة السامريين اليهودية لا تؤمن بما سوى الأسفار الخمسة من توراتها السامرية، كما سيأتي بيانه.
ب) الأسفار التاريخية، وهي أسفار منسوبة لعدد من الأنبياء الذين عاصروا هذه المراحل التاريخية من حياة بني إسرائيل، وعددها اثني عشر: (سفر يشوع، سفر القضاة، سفر راعوث، سفر صموئيل الأول، سفر صموئيل الثاني، سفر الملوك الأول، سفر الملوك الثاني، سفر أخبار الأيام الأول، سفر أخبار الأيام الثاني، سفر عِزرا، سفر نحميا، سفر إستير).
ج) أسفار الشعر والحكمة، وهي خمسة أسفار: (سفر أيوب، سفر المزامير، سفر الأمثال، سفر الجامعة، سفر نشيد الإنشاد)، وتنسب هذه المجموعة في غالبها إلى داود وسليمان، ومن المزامير ما ينسب إلى آخرين مجهولين يدعون بني قورح وأساف وإيثان (٢٣ مزمورًا)، ومنها المزامير اليتيمة (٥١ مزمورًا)، ولا يعرف قائلها.
د) الأسفار النبوية، وتتكون من سبعة عشر سفرًا، وهي: (سفر إشعيا، سفر إرميا، سفر مراثي إرميا، سفر حزقيال، سفر دانيال، سفر هوشع، سفر يؤئيل، سفر عاموس، سفر عوبديا، سفر يونان، سفر ميخا، سفر ناحوم، سفر حبقوق، سفر صفينا، سفر زكريا، سفر حجي، سفر ملاخي). وتسمى الأسفار الستة الأولى أسفار الأنبياء الكبار، والبقية الأنبياء الصغار.
[ ١٥ ]
هـ) أسفار الأبوكريفا السبعة، وهي: (باروخ، طوبيا، يهوديت، الحكمة، يشوع بن سيراخ، المكابيين الأول، المكابيين الثاني). يسميها البعض الأسفار الخفية، وكانت موضع ارتياب بعض آباء الكنيسة الأوائل، فالقديس جيروم ترجم أسفار الأبوكريفا إلى اللاتينية، لكنه لم يضفها إلى الأسفار القانونية، لكن غيره قبلها، واجتمعت الفرق المسيحية على قبولها في مجمعي هيبو (٣٩٣م) وقرطاجة (٣٩٧م)، وبقيت كذلك حتى القرن السادس عشر الميلادي. (١)
وفي ذلك القرن (١٦م) ظهر البرتستانت، فرفضوا الإيمان بقانونية هذه الأسفار تبعًا لليهود (٢)، وأما الأرثوذكس والكاثوليك فقد تمسكوا بها، وإن كان البعض يطبعونها منفردة في بعض النسخ الحديثة حرصًا على الوحدة الدينية للمذاهب النصرانية.
وقد أقر قانونية هذه الأسفار جميعًا مجمع "ترنت" الكاثوليكي سنة ١٥٤٥ - ١٥٦٣م، والأرثوذكس في مجمع "بيت المقدس" سنة ١٦٧٢م.
ويجدر بالذكر أن بعض الكنائس المسيحية تزيد أسفارًا أخرى إلى الكتاب المقدس، كالكنيسة الأثيوبية التي تقول عنها دائرة المعارف الكتابية: "فعلاوة على الأسفار القانونية المعترف بها، فإنهم يقبلون راعي هرماس وقوانين المجامع ورسائل أكليمندس، والمكابيين وطوبيا ويهوديت والحكمة ويشوع بن سيراخ وباروخ، وأسفار أسدراس الأربعة، وصعود إشعياء، وسفر آدم ويوسف بن جوريون وأخنوخ واليوبيل". (٣)
وكذلك فإن الرسالة المنسوبة للنبي إرمياء كانت معتبرة عند الآباء الأوائل
_________________
(١) انظر: المدخل إلى العهد القديم، القس الدكتور صموئيل يوسف، ص (٣٩).
(٢) للوقوف على حجج البرتستانت في رفض هذه الأسفار انظر علم اللاهوت النظامي، جيمس أنس، ص (٦٠ - ٦٥).
(٣) دائرة المعارف الكتابية (١/ ٨٢).
[ ١٦ ]
للكنيسة، وقد حوتها أهم المخطوطات اليونانية [الفاتيكانية والسكندرية] وأقدم الترجمات كالسبعينية اليونانية، والبشيطة السريانية، والقبطية والأثيوبية، بل نقلت دائرة المعارف الكتابية أن "الآباء اليونانيين الأوائل يميلون - بوجه عام - إلى اعتبار الرسالة جزءًا من الأسفار القانونية، لذلك تذكر في قوائم الأسفار القانونية لأوريجانوس وأبيفانيوس وكيرلس الأورشليمي وأثناسيوس، وعليه فقد اعترف بها رسميًا في مجمع لاودكية (٣٦٠م) " (١)، ولكن هذه الرسالة اعتبرت فيما بعد من أسفار الأبوكريفا المدرجة زيفًا في الكتاب المقدس.
ويطلق النصارى - لا اليهود - على الأجزاء الأربعة السالف ذكرها اسم العهد القديم، وتسمى أيضًا الكتب والناموس، ويطلق اسم التوراة على الأجزاء الثلاثة الأخيرة تجوزًا.
يرجع أصل هذه التسمية إلى بولس، حين سمى التوراة بالعهد القديم في قوله: " عند قراءة العهد العتيق " (كورنثوس (٢) ٣/ ١٤). لتصبح الأناجيل والرسائل الملحقة هي العهد الجديد. (٢)
- وقد تم تقسيم أسفار العهد القديم إلى إصحاحات في سنة ١٢٠٠م على يد أُسقف كانتربري الأسقف ستيفن لانجتون (ت ١٢٢٨م).
ثم رقمت جمل الإصحاحات في الطبعة الباريسية الصادرة عام ١٥٥١م.
وأما ترتيب الأسفار فقد أعيد غير مرة، وكان قد أقر له ترتيب في مجمع روما
_________________
(١) دائرة المعارف الكتابية (١/ ١٨٩)، وانظر تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، ص (٢٧٤).
(٢) لكن أول من أطلق هذه التسمية حقيقة الأسقف ميليتس أسقف سادرس عام ١٨٠م. المدخل إلى العهد القديم، القس الدكتور صموئيل يوسف، ص (١٧).
[ ١٧ ]
٣٨٢م، ثم عدل في ترنت ١٥٤٦م، ولهذا التغيير علاقة قوية بقيمة الأسفار وأهميتها ودرجة ثبوتها.
- ولا يؤمن اليهود ولا النصارى بالإلهام الحرفي للكتاب المقدس، بل يعتقدون أن كلًا من كتبة الأسفار قد كتب بأسلوبه كما ألهمه الروح القدس، فهم "لم يتكلموا باسمهم الشخصي، ولم ينهلوا من نبع معرفتهم الشخصية، ولم يعلنوا للناس أفكارهم وآراءهم الخاصة .. الروح القدس أوحى لكتاب الأسفار المقدسة ما كتبوا، وأرشدهم فيما كتبوا، ولكن الروح لم يمح شخصياتهم، بل كتب كل بأسلوبه الخاص" (١)، يقول بطرس: " كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص، لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" (بطرس (٢) ١/ ٢٠ - ٢١).
- وعن أصحاب هذه الأسفار وكتبتها الأصليين تقول كنيسة دميانة: " لقد كتب العهد القديم في فترة ٢٥٠٠ سنة قبل الميلاد بواسطة أربعين كاتبًا، يختلفون في صفاتهم، فمنهم الفلاسفة مثل موسى النبي، ومنهم الراعي البسيط جامع الجميز مثل عاموس، والقائد الحربي يشوع، وساقي الملك نحميا، ومنهم إشعيا رجل القصور، ودانيال رئيس الوزراء، وسليمان الملك صاحب الحكمة
كما اختلف الكُتاب عن بعضهم في ظروف تسجيل الوحي الإلهي، فموسى سجل أسفاره في البرية، وأما إرمياء فسجلها في ظلمة الجب، وأما داود النبي فكتب مزاميره عند سفوح التلال، وهو يرعى خرافه ورغم هذا نجد أن الكتاب المقدس يمتاز بوحدة ترابطية عجيبة لا تناقض فيها ولا خلل". (٢)
_________________
(١) قاموس الكتاب المقدس، ص (١٠٢٠ - ١٠٢١).
(٢) انظر: الكتاب المقدس في الميزان، عبد السلام محمد، ص (٩٢ - ٩٦)، وقاموس الكتاب المقدس، ص (٧٦٢).
[ ١٨ ]
ويضيف محررو قاموس الكتاب المقدس: " والكتاب أصل الإيمان المسيحي ومصدره، وهو خال من الأخطاء والزلل، وفيه كل ما يختص بالإيمان والحياة الروحية أوحى الله بكلمته إلى أنبياء ورسل نطقوا بها حسب اصطلاحات اللغات البشرية، فكان الكاتب الملهَم أما أن يكتب بنفسه ما يوحى به إليه، وإما أن يمليه على كاتب يكتبه له، إلا أنه لم يصل إلينا بعد شيء من النسخ الأصلية التي كتبها هؤلاء الملهمون أو كُتّابهم .. ". (١)
فمعتقد النصارى في هذه الكتب - كما رأيتَ - أنها تحمل كلمة الله، وأنه كتبها أنبياء الله بإلهام من الروح القدس، وهذه الدعاوى هي ما سنحاول دراسته والتوثق من صحته في هذه الحلقة من سلسلة الهدى والنور.
_________________
(١) قاموس الكتاب المقدس، ص (٧٦٣).
[ ١٩ ]