ومن أغلاط التوراة أيضًا أغلاط خالفت فيها الحقائق العلمية الحديثة، مما دل على أنها ليست من كلام الله الذي يتنزه عن الخطأ والجهل بحقائق العلم التي أدركها الإنسان فيما بعد، فالله العليم لن يخبر في كتابه إلا بكل صحيح، إذ لا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء.
- ومن ذلك حديث التوراة عن قصة الخلق في سفر التكوين، حيث يتحدث السفر عن خلق الكون في ستة أيام أرضية مكونة من صباح ومساء.
فخلق وفقًا للترتيب التوراتي في اليوم الأول الأرض والنور والظلام والماء، وفي الثاني خلق السماء حين وضع جَلَدًا بين مياه ومياه، وفي اليوم الثالث تجمعت المياه التي تحت الجَلَد الذي سمي سماء، فتكونت اليابسة ونبت العشب والبقل.
وفي اليوم الرابع خلقت الشمس والقمر والنجوم فيما فوق الجَلَد (السماء)، وفي اليوم الخامس خلقت الحيوانات البحرية والطيور.
وفي اليوم السادس خلق آدم والحيوانات البرية، وفرغ من الخلق في هذا اليوم. (انظر التكوين ١/ ١ - ٣١).
_________________
(١) تفسير سفر صموئيل لكنيسة العذراء بالفجالة، ص (٦٧)، وانظر شبهات وهمية حول الكتاب المقدس، للقس منيس عبد النور، ص (١٤٦).
[ ٢٠٧ ]
ويلحظ العلماء المحققون على هذا الترتيب والإخراج لقصة بدء الكون ملاحظات يرفضها العلم الحديث الذي أعطاه الله للإنسانية، ولو كانت الأسفار من عند الله لما حوت هذه الأخطاء المتتابعة.
منها: أن السفر يتحدث عن ستة أيام أرضية تتكون من ليل ونهار " وكان صباح"، "وكان مساء"، وكان سابعها يوم السبت الذي استراح فيه الخالق - تعالى عن ذلك -، ومن المعلوم علميًا أن الخلق تم على فترات كونية تقدر بملايين السنين، وصدق الله حين قال مبينًا المفارقة بين أيامه وأيام البشر: ﴿وإن يومًا عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾ (الحج: ٤٧).
والعلماء يقولون بأن الأرض احتاجت لملايين السنين حتى بردت قشرتها وغدت صالحة للحياة، فيما يتحدث السفر عن ظهور الماء على الأرض في أول أيامها، ثم ظهور النبات في ثالثها، والحيوانات في رابعها وخامسها.
كما أن الترتيب التوراتي لظهور المخلوقات يتناقض مع مكتشفات التاريخ الجيولوجي.
فوجود الماء على وجه الأرض في اليوم الأول يتناقض مع النظرية العلمية القائلة بأن الأرض بل والعالم كان غازيًا في بداية خلقه، كما لا يصح ظهور النبات قبل وجود الشمس، ولا يصح أيضًا وجود الحيوانات البحرية والطيور قبل الحيوانات البرية.
ومثله يرفض علميًا القول بأن الأرض خلقت قبل الشمس والنجوم (في اليوم الرابع)، والعجب من ظهور الليل والنهار لثلاثة أيام، ولما توجد الشمس بعد!
والقول بأن النبات وجد قبل الإنسان بثلاثة أيام فقط، قول مردود، إذ تتحدث المكتشفات العلمية عن وجود النبات قبل الإنسان بملايين السنين.
وقد وردت أكثر هذه الاعتراضات على هذا القصة للخلق في ثنايا نقد الأب
[ ٢٠٨ ]
دوفو لرواية سفر التكوين. (١)
- ومن الملاحظات العلمية على الأسفار التوراتية أنها تتحدث باستفاضة عن أعمار الآباء الأوائل من لدن آدم إلى إبراهيم، فتجعل ولادة إبراهيم في القرن العشرين من بداية الوجود الإنساني على الأرض وتحديدًا في سنة ١٩٤٨ من لدن خلق الكون وظهور الإنسان على الأرض.
ولا توجد معلومات دقيقة تاريخيًا عن الفترة الممتدة بين إبراهيم وعيسى، ولكن المؤرخين يقدرونها بثمانية عشر قرنًا، اعتمادًا على المصادر التوراتية، وعلى هذا فإن ظهور المسيح كان بعد خلق آدم بثمانية وثلاثين قرنًا.
الأسقف الإيرلندي جيمس يوزهر (ت ١٦٥٦م) الذي يعتبر واحدًا من أكبر علماء عصره قام بتتبع سلاسل النسب التوراتية، ليصل إلى نتيجة مفادها أن العالم خُلق عام ٤٠٠٤ ق. م (٢)، وهي نتيجة لا تبعد كثيرًا عن التاريخ العبري الذي يوافق فيه (٢٠٠٠م) سنة ٥٧٦١ من لدن خلق العالم، وعليه نقول بأن المعطيات التوراتية تجعل عمر البشرية على وجه الأرض لا يزيد عن ستة آلاف سنة بحال من الأحوال.
ويتعارض هذا تمامًا مع المعطيات العملية التي تعتبر الحسابات التوراتية نوعًا من الهراء، فقد ثبت وجود حضارات قامت قبل الميلاد بخمسة آلاف سنة.
إذ يرى علماء الآثار أن من المسلَّم به قيام حرب طاحنة بين شمال مصر وجنوبها عام ٤٠٤٢ ق. م، وانتصر فيها أهل الدلتا بيد أن انتصارهم لم يكن حاسمًا كما تبدأ
_________________
(١) انظر: التوراة الإنجيل والقرآن والعلم، موريس بوكاي، ص (٤٤ - ٥١)، دراسة عن التوراة والإنجيل، كامل سعفان، ص (١٧٩)، قراءات في الكتاب المقدس، عبد الرحيم محمد (٢/ ١٨٢ - ١٨٣).
(٢) انظر: كيف يفكر الإنجيليون في أساسيات الإيمان المسيحي، واين جردوم، ص (٢٢٨).
[ ٢٠٩ ]
الحضارة المصرية المؤرخة بالأسرة الأولى والتي حكمت مصر بين ٣٤٠٠ - ٣٢٠٠ ق. م، وثمة الكثير مما لم يؤرخ قبلها.
كما عثر على مصنوعات بشرية تعود لأكثر من خمسة آلاف سنة قبل الميلاد. وعثرت بعثة جامعة القاهرة على آثار بشرية في منطقة الفيوم ترجع لعشرات الآلاف من السنين.
وتذكر دائرة المعارف البريطانية أن الآثار الإنسانية في فلسطين ترجع لمائتي ألف سنة، ويقول العلامة دونلد جان سنة ١٩٧٩م: " كشف وجود الإنسان على وجه الأرض منذ أربعة ملايين سنة". (١)
وصدق الله العظيم إذ يؤكد أن البشرية ضاربة جذورها في التاريخ قرونًا طويلة، فيقول: ﴿قال فما بال القرون الأولى - قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى﴾ (طه:٥١ - ٥٢)، ﴿وعادًا وثمود وأصحاب الرس وقرونًا بين ذلك كثيرًا﴾ (الفرقان:٣٨) ﴿ألم يأتكم نبؤ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله﴾ (إبراهيم: ٩).
- وثمة أمور كثيرة ذكرتها التوراة تتعارض مع الأمور الثابتة علميًا والمشاهدة حسًا، كذكرها أن الأرنب من الحيوانات المجترة، فيقول: "الجمل والأرنب والوبر لأنها تجترّ، لكنها لا تشق ظلفًا، فهي نجسة لكم " (التثنية ١٤/ ٧).
- ومثله أيضًا القول بأن الحية عوقبت بأكل التراب (انظر التكوين ٣/ ١٤) أو أنها تلحسه، كما في سفر ميخا "يلحسون التراب كالحية، كزواحف الأرض" (ميخا
_________________
(١) انظر: التوراة الإنجيل والقرآن والعلم، موريس بوكاي، ص (٢٠)، دراسة عن التوراة والإنجيل، كامل سعفان، ص (١٧٩).
[ ٢١٠ ]
٧/ ١٧)، والمشاهد في جميع أنواع الحيات المصنفة علميًا أنها تأكل الحشرات والزواحف وغيرها، ولم يسجل أبدًا أنها تأكل التراب أو تلحسه.
- ويتحدث سفر اللاويين عن أحكام تتعلق بطيور أسطورية لها أربع أرجل، بعضها يدب، وبعضها يمشي، ولا وجود لها إلا في أساطير الخيال، فيقول: "وكل دبيب الطير الماشي على أربع فهو مكروه لكم. إلا هذا تأكلونه من جميع دبيب الطير الماشي على أربع. ما له كراعان فوق رجليه يثب بهما على الأرض. هذا منه تأكلون لكن سائر دبيب الطير الذي له أربع أرجل فهو مكروه لكم" (اللاويين ١١/ ٢٠ - ٢٣). ولم تتحدث الحفريات ولا غيرها عن شيء مثل هذا كان على وجه الأرض في يوم من الأيام.
- ومن الأخطاء العلمية أيضًا ما جاء في سفر التكوين (٣٠/ ٣٧ - ٤٣)، حيث زعم بأن غنم يعقوب أنتجت، فكان لون نتاجها مخالفًا للون آبائها، بسبب رؤيتها لبعض العصي المقشرة، فتوحمت عليها، فكان النتاج مثلها، ولو صح مثل هذا لكان ينبغي أن يكون نتاج الربيع أخضرًا، وهذا الهراء يخالف كل ما يعرفه علماء الجينات والشفرات الوراثية.
- وفي سفر التكوين حديث عن أغرب قصة ولادة، ألا وهي قصة ولادة الزانية ثامار من حماها ووالد أزواجها يهوذا، "وفي وقت ولادتها إذا في بطنها توأمان، وكان في ولادتها أن أحدهما أخرج يدًا، فأخذت القابلة، وربطت على يده قرمزًا قائلة: هذا خرج أولًا، ولكن حين ردّ يده إذ أخوه قد خرج، فقالت: لماذا اقتحمت؟ عليك اقتحام. فدعي اسمه فارص، وبعد ذلك خرج أخوه الذي على يده القرمز، فدعي اسمه زارح" (التكوين ٣٨/ ٢٧ - ٣٠)، فقد أخرج البكر يده من بطن أمه، وهو أمر غير معهود في عملية الولادة، وأراد المولود من خلال إخراج يده التأكيد على حقه في البكورية، وفهمت القابلة مراده، فربطت على يده برباط قرمزي.
[ ٢١١ ]
ثم حصل الأغرب منه الذي لا يمكن تفسيره طبيًا، فقد أفسح البكر مكانه في الرحم لأخيه التوأم، ليخرج إلى الدنيا، ثم تبعه أخوه البكر، صاحب اليد المربوطة بالقرمز، ومثل هذه القصة لا تقبل علميًا، وإلحاقها بقصص العجائز أولى من أن تلحق بكلام الله ووحيه.
- ويقدم سفر أيوب تصورًا غريبًا لكيفية تخليق الجنين، فهو يصب في قالب، كما يصب الحليب، ثم يتجمد في وسط هذا القالب، كما يتخثر الحليب فيتحول إلى جبنًا، وهو كما تقول نسخة الرهبانية اليسوعية في تعليقها عليه متطابق مع التصورات القديمة لتخليق الجنين، لكنه على كل حال لا علاقة له من قريب أو بعيد بما يعرفه العلماء عن مراحل تخليق الجنين، يقول سفر أيوب مخاطبًا الله: "اذكر أنك جبلتني كالطين، أفتعيدني إلى التراب، ألم تصبّني كاللَّبن، وخثّرتني كالجُبن، كسوتني جلدًا ولحمًا، فنسجتني بعظام وعصب" (أيوب ١٠/ ٩ - ١١).
- ومن الأخطاء العلمية زعم التوراة أن الأرض لها أعمدة، وأنها مسطحة، ولها زوايا، موافقة بذلك المستوى العلمي السائد حين كتابتها، فتقول وهي تتحدث عن الشمس التي تغرب على الأرض، ثم تذهب مسرعة إلى شرق الأرض لتشرق من جديد: "والشمس تشرق، والشمس تغرب، وتسرع إلى موضعها حيث تشرق" (الجامعة ١/ ٥)، فكاتب السفر لا يعرف شيئًا عن كروية الأرض، ولا عن دورانها حول محورها ليحصل الشروق والغروب، إنه ليس الله العظيم العليم الذي ﴿خلق السّموات والأرض بالحقّ يكوّر اللّيل على النّهار ويكوّر النّهار على اللّيل﴾ (الزمر: ٥).
وتقول التوراة واصفة الله أنه "المزعزع الأرض من مقرها، فتتزلزل أعمدتها" (أيوب ٩/ ٦)، فالأرض لها أعمدة، قد ثبتت الأرض فوقها، وهذا الفهم الخاطئ يؤكده كاتبو الأسفار، فيزعمون أن الله قال لأيوب: " أين كنت حين أسست الأرض؟
[ ٢١٢ ]
أخبر إن كان عندك فهم: من وضع قياسها، لأنك تعلم؟ أو من مدّ عليها مطمارًا؟ (في توراة الكاثوليك: مد عليها الخيط). على أي شيء قرّت قواعدها؟ أو من وضع حجر زاويتها؟ " (أيوب ٣٨/ ٤ - ٦)، وفي سفر صموئيل " لأن للرب أعمدة الأرض، وقد وضع عليها المسكونة" (صموئيل (١) ٢/ ٨).
وقد أكد العهد الجديد هذا التصور الساذج والخاطئ للأرض المسطحة ذات الأطراف أو الزوايا الأربعة في مواضع منه، نرجئ ذكرها إلى موضعها من هذه السلسلة.
ويتحدث سفر الجامعة عن دورة المياه على الأرض وعن سبب عدم امتلاء البحر رغم كثرة ما يصب فيه من ماء الأنهار، فيذكر أن ماء البحر يعود مرة أخرى إلى ينابيع الأنهار، فلا يمتلئ بسببه البحر، يقول: "كل الأنهار تجري إلى البحر، والبحر ليس بملآن، إلى المكان الذي جرت منه الأنهار، إلى هناك تذهب راجعة " (الجامعة ١/ ٧).
وأخيرًا، فإن التوراة تصادق على قدرة الإنسان على تحضير أرواح الأموات، وأن ذلك تم بالفعل، حين قدرت العرافة على إحضار روح النبي صموئيل إلى الملك شاول، وشرحت ما دار من حديث بينهما (انظر صموئيل (١) ٢٨/ ٣ - ٢٠)، وهو خبر إلى الشعبذة والخرافة أقرب منه إلى أي شيء آخر.
فهذه الأخطاء وغيرها تشهد أن هذا الكتاب ليس كلمة الله، ولو كان من عند الله لتنزه عن تلكم الأخطاء التي يدركها اليوم صغار طلاب العلم فضلًا عن العلماء، فكلمة الله لا تخطئ، ولا تعلم الناس الكذب أو الخطأ.