ومن التحريف الذي تعرضت له الأسفار المقدسة عند اليهود والنصارى تحريف الزيادة، وهو باب كبير يشمل تلك المواضع المشينة التي أضيفت في الأسفار، ونسبت إلى الأنبياء، وكما يشمل ما تضمنته الأسفار من معلومات تاريخية ومسميات ظهرت بعدهم، كما سبق بيانه، ومنه تلك الأخبار الملفقة والمكذوبة عن الله ورسله مما ذكرناه قبلُ.
ومن صور تحريف الزيادة ذكر كاتب سفر التكوين اسم إسحاق في سياق قصة الذبيح، بدلًا من إسماعيل، فقد أمر الله إبراهيم بذبح ابنه الوحيد " خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق " (التكوين ٢٢/ ٢).
وكانت التوراة قد صرحت بأن إسماعيل أكبر أبناء إبراهيم، وأنه ولد قبل إسحاق بأربع عشرة سنة "كان أبرام ابن ستٍّ وثمانين سنةً لمّا ولدت هاجر إسماعيل
_________________
(١) قاموس الكتاب المقدس، ص (٣٢).
[ ١٥٣ ]
لأبرام" (التكوين ١٦/ ١٦)، فيما ولد إسحاق بعده بأربعة عشر عامًا "وكان إبراهيم ابن مائة سنةٍ حين ولد له إسحاق ابنه" (التكوين ٢١/ ٥).
لكن النصارى يزعمون أن إسماعيل لا يصلح أن يحسب ابنًا لإبراهيم، لأنه ابن جارية، ويتناسون أنه ابن شرعي حقيقي، كما في التوراة نفسها "فأخذت ساراي امرأة أبرام هاجر المصرية جاريتها من بعد عشر سنين لإقامة أبرام في أرض كنعان، وأعطتها لأبرام رجلها زوجةً له. فدخل على هاجر فحبلت .. " (التكوين ١٦/ ٣١ - ٤).
وفي موضع آخر من السفر يقول: " ولدت هاجر لأبرام ابنًا. ودعا أبرام اسم ابنه الّذي ولدته هاجر: إسماعيل" (التكوين ١٦/ ١٥ - ١٦).
وعندما غارت سارة من هاجر "قالت لإبراهيم: اطرد هذه الجارية وابنها، لأنّ ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني إسحاق. فقبح الكلام جدًّا في عيني إبراهيم لسبب ابنه (أي إسماعيل). فقال الله لإبراهيم: لا يقبح في عينيك من أجل الغلام ومن أجل جاريتك" (التكوين ٢١/ ١٠ - ١٢).
ويثبت له الكتاب البنوة مرة أخرى، فيقول: "ودفنه إسحق وإسماعيل ابناه في مغارة المكفيلة" (التكوين ٢٥/ ٧).
والعجيب أن التوراة لم تقل أبدًا أن إسماعيل ابن غير شرعي لإبراهيم، فهذه سارة امرأة إبراهيم أيقنت أنها لن تنجب لإبراهيم نسلًا، فآثرت أن تزوجه بهاجر: "ادخل على جاريتي لعلّي أرزق منها بنين، فسمع أبرام لقول ساراي" (التكوين ١٦/ ١ - ٤)، "فولدت هاجر لأبرام ابنًا. ودعا أبرام اسم ابنه الّذي ولدته هاجر إسماعيل" (التكوين ١٦/ ١٥ - ١٦).
ثم كيف يدعي المؤمنون بالكتاب المقدس أن الله أمر إبراهيم بذبح إسحاق، وقد وعده الله أن يريه ذرية ونسلًا من إسحاق، وهو لم يولد بعد، فإبراهيم يعلم أن ابنه
[ ١٥٤ ]
إسحاق لن يموت ولن يذبح، لأنه سيكبر، وستكون له ذرية كما وعده الله "في كلّ ما تقول لك سارة اسمع لقولها، لأنّه بإسحاق يدعى لك نسلٌ" (التكوين ٢١/ ١٢ - ١٣).
فقوله: " خذ ابنك وحيدك " حق، وكلمة " إسحاق " زيادة ولبسٌ للحق بالباطل.
ويشهد للتبديل قوله: " لم تمسك ابنك وحيدك عني " (التكوين ٢٢/ ١٢، ١٦)، ولم يذكر فيه اسم إسحاق.
ومن التحريف أيضًا استبدال المترجمين كلمة الوحيد بالمفضل في بعض التراجم، وهو تحريف ولا ريب لأن النص العبراي استخدم كلمة (يخيداخا) ومعناها: الوحيد، وليس المفضل.
تحريف المترجمين
ولمترجمي الكتاب المقدس نصيبهم من التحريف الذي أضحى سمة لكل أولئك المؤتمنين على الكتاب المقدس، حيث يتلاعب هؤلاء بالنصوص، وهم يقومون بترجمتها، من صور هذا النوع من التحريف الصور التي نعرضها والتي توضح مقدار الحرية التي تعامل بها المترجمون مع النصوص التوراتية، إذ النص العربي يذكر اشتقاقات عربية لا يصح أن تكون في كتاب أصل لغته العبرية. ومن ذلك:
يقول سفر التكوين: " وولدت له قايين، وقالت: اقتنيت رجلًا من عند الرب " (التكوين ٤/ ١)، فكلمة " قايين" كما في قاموس الكتاب المقدس معناها: " حداد " (١)، فالمناسبة معدومة بين الاقتناء أو الشراء، واسم قايين الذي يعني: حداد.
ومثله قوله: " دعي اسمها بابل، لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض "
_________________
(١) قاموس الكتاب المقدس، ص (٧١٠).
[ ١٥٥ ]
(التكوين ١١/ ٩). وكلمة بابل في اللغة الآكادية " باب ايلو " بمعنى: " باب الرب " كما في قاموس الكتاب المقدس (١)، وعليه فليس من مناسبة بين اسم بابل والبلبلة التي تذكرها التوراة، فالمناسبة التي يزعمها الكاتب غير متحققة.
ومثله حاول كاتب سفر الخروج إيجاد علاقة بين اسم موسى وانتشال ابنة فرعون له من الماء، فقال: " ولما كبر الولد جاءت به [أخته] إلى ابنة فرعون فصار لها ابنًا، ودعت اسمه: موسى. وقالت: "إني انتشلته من الماء" (الخروج ٢/ ١٠)، فزعم أن المرأة المصرية - التي لا تعرف العبرانية - سمته بموسى؛ لأنها انتشلته من الماء، وأنها اشتقت اسمه من الكلمة العبرانية (مشا) أي (انتشل).
وهذا الزعم بعبرانية اسم موسى يتشكك به الآباء اليسوعيون في تعليقهم على النص، إذ يقولون: "إن ابنة فرعون لا تتكلم العبرية، في الواقع هذا اسم مصري يعرف بصيغته المختصرة موزس"، ومعناه: ولد أو ابن.
وأما محققو الترجمة العربية المشتركة فيعلقون: "موسى: اسم من أصل مصري، ولكن الكاتب وجد له اشتقاقًا خاصًا به".
ومن صور التحريف الهامة ما صنعه المترجمون المسيحيون للمزمور الثاني والعشرين ليكون نبوءة مزعومة عن المسيح الذي مات على الصليب وقد ثقبت يداه ورجلاه، يقول المزمور: "لأنه قد أحاطت بي كلاب، جماعة من الأشرار اكتنفتني، ثقبوا يديّ ورجليّ" (المزمور ٢٢/ ١٦)، وليس في النص العبراني كلمة: (؟؟؟؟؟؟؟؟؟) ثقبوا، التي تنطق (كأرو)، بل يستخدم كلمة (؟؟؟؟؟؟؟؟) (كأري) التي تعني كأسد، والنص بتمامه: "؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟،؟؟؟؟؟؟؟؟؟:؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟،؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟;؟؟؟؟؟؟؟؟،؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟".
_________________
(١) قاموس الكتاب المقدس، ص (١٥٢).
[ ١٥٦ ]
وقد اعترفت نسخة الرهبانية اليسوعية بالتحريف، وذكرت أن النص المحرف "بحسب الترجمة اللاتينية الشائعة، والكلمة العبرية تعني: (كالأسد)، وهي غامضة"، وهكذا فلغموض كلمة الأسد تلاعبوا بالنص وحوروه إلى "ثقبوا يديّ ورجليّ".
ومن الصور التي أبقاها المترجمون على حالها، فكان فعلهم صحيحًا خاليًا من التحريف، قوله: "وقال لابان: هذه الرجمة شاهدة بيني وبينك اليوم، لذلك دعي اسمها جلعيد " (التكوين ٣١/ ٤٨).
وكلمة جلعيد كما يفيد قاموس الكتاب المقدس كلمة عبرانية معناها: " رجمة الشهادة ".