تحدث القرآن الكريم عن تحريف التوراة في آيات كريمة منها قول الله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون﴾ (آل عمران: ٧١)، ويقول: ﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ (النساء: ٤٦)، ﴿وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون﴾ (البقرة: ٧٥).
وعن تحريفهم بالنقص يقول: ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرًا﴾ (الأنعام:٩١)، ﴿إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنًا قليلًا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾ (البقرة: ١٧٤)، ويقول: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب﴾ (المائدة: ١٥).
وعن تحريفهم بالزيادة والكذب على الله يقول: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون﴾ (البقرة: ٧٩) وقال: ﴿وإن منهم لفريقًا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون﴾ (آل عمران: ٧٨).
فالتحريف إذًا يكون بالنقص والزيادة، وكل ذلك وقع في التوراة كما سنرى.
وقبل أن نلج لعرض بعض صور التحريف يستوقفنا سؤال يطرحه النصارى
[ ١٤٥ ]
دائمًا: هل من الممكن أن يحرِّف أحد كلام الله؟ وكيف أذن الله بهذا التحريف؟
ونقول: الكتاب المقدس يتحدث عن إمكانية تحريفه، ويذكر لنا -كما سيمر معنا شهادة الأنبياء على تحريفه -، فلو كان الكتاب غير ممكن التحريف لما كان أي معنى أو فائدة لآخر فقرة وردت فيه "لأني أشهد لكل من يسمع أقوال نبوة هذا الكتاب، إن كان أحد يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب، وإن كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النبوّة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة ومن المدينة المقدسة " (الرؤيا ٢٢/ ١٨ - ١٩)، فهذه الفقرة تحذر من تحريف الكتاب، وتتوعد فاعله، فدل ذلك على أنه ممكن الحدوث.
ويتنبأ النبي عاموس بفقد كلمة الرب، فيقول: "هوذا أيام تأتي، يقول السيد الرب: أرسل جوعًا في الأرض، لا جوعًا للخبز، ولا عطشًا للماء، بل لاستماع كلمات الرب، فيجولون من بحر إلى بحر، ومن الشمال إلى المشرق، يتطوّحون ليطلبوا كلمة الرب، فلا يجدونها " (عاموس ٨/ ١١ - ١٢)، فالنص - كما ترى - نبوءة عن فقد الكتاب، وذاك وعيد لمن يحرف الكتاب بزيادة أسفار الأبوكريفا السبعة في الكتاب أو حذفها وإسقاطها منه، أو غير ذلك من صور التحريف.
وأما قول قائلهم: كيف يسمح الله بحدوث ذلك؟ فإن القائل نسي سنة الله في الكافرين والمارقين، وقد أذن لهم - وفق مشيئته وقدره - بسبّه والكفر به وعصيان أوامره، ومثله تحريف كتابه الذي أمر بني إسرائيل بحفظه، فأضاعوه وحرفوه، كما صنعوا بكل شرائعه، وكما ولغوا في دماء أنبيائه وفق قدر الله ومشيئته.