وتقع الأسفار في التكرار الحرفي لبعض الأحداث، فهل نسي الله أو الروح القدس أنه أملاه من قبل، أو أن النسيان قد وقع من الكتبة الذين ينسون ويغفلون ويخطئون؟
وكنموذج للتكرار الممجوج الذي لا طائل من ورائه نقرأ ما ورد في الإصحاحات ٢٥ - ٣٠ من الخروج وصف دقيق لخيمة الاجتماع كما أمر الرب أن تكون.
ثم تكرر الوصف بتمامه لما استدعى موسى بصلئيل وأهولياب للشروع في البناء والتنفيذ، واستغرقت الإعادة الإصحاحات (٣٦ - ٤٠). وكان يغني عن ذلك كله لو قال: (وبصلئيل بن أروى صنع كل ما أمر به الرب موسى ومعه أهولياب بن أخيساماك).
كما يقع كتاب العهد القديم أو كتَّابه فيما نسميه سرقة أدبية كما في ذكر نص ثم إعادته في موضع آخر، ومن أمثلته: تطابق (الملوك (٢) ١٩/ ١ - ١٢) مع (إشعيا ٣٧/ ١ - ١٢) كلمة بكلمة، بل حرفًا بحرف.
ويعلل كبير قساوسة السويد شوبرج هذا التماثل، فيقول: " هذه هي عظمة الكتاب! ".
وأحيانا يكرر كاتب السفر بصورة متطابقة عدة سطور سبق له أن كتبها من غير أن يفهم سبب حصول ذلك، ومنه ما صنعه كاتب سفر الأيام وهو يتحدث عن أسلاف وابناء الملك شاول (انظر الأيام (١) ٨/ ٢٩ - ٣٦، وطابق مع الأيام (١) ٩/ ٣٥ - ٤٣).
[ ١٣٨ ]
وتكرر هذا النقل في إصحاحات أخرى مع تغيير بسيط لا يذكر في بعض الكلمات (انظر صموئيل (٢) ٢٢ والمزمور ٢١)، وانظر (الأيام (١) ١٧، وصموئيل (٢) ٧)، وانظر (الأيام (١) ١٨، وصموئيل (٢) ٨)، وانظر (الأيام (١) ١٩، وصموئيل (٢) ١٠)، وانظر (الملوك (١) ٨، والأيام (٢) ٦)، وغير ذلك من الشواهد.
وفي المقابل فإن قارئ الأسفار يروق لتلك الإحالات التي نجدها خلال الأسفار إلى مواضع أخرى من الكتاب، ويعجب لتلك التي تحيل فيها كلمة الله إلى مواضع خارج كلمة الله، أي أنها من كلام البشر، وقد أراد من خلالها المؤلف أن لا يعيد سرد معلومات سبق له أن قرأها في سفر آخر من أسفار الكتاب أو بعض الكتابات التاريخية أو بالأصح الضائعة من الأسفار المقدسة.
ولكن العجب في هذه الإحالات حين تكون متقابلة، أي حين يحيل كل من السفرين إلى الآخر بالتبادل، ويتساءل المرء من غير أن يجد جوابًا: أي السفرين كتب أولًا، ومن الذي كتبهما، ولا أجد من جواب إلا أن أحيل إلى جهل البشر وتلاعبهم بالنصوص.
ومن أمثلة ذلك تلك الإحالات المتكررة، والتي تبادلها كاتبا سفري الملوك والأخبار (الأيام) في عدد من المواضع، منها إحالة سفر الملوك إلى سفر الأيام "وبقية أمور أمصيا، أما هي مكتوبة في سفر أخبار الأيام لملوك يهوذا" (الملوك (٢) ١٤/ ١٨)، مما يدل على أن سفر الأيام قد كتب قبلُ.
لكن كاتب سفر الأيام، وبتواضع جمّ يحيل قارئه إلى سفر الملوك "وبقية أمور أمصيا الأولى والأخيرة، أما هي مكتوبة في سفر ملوك يهوذا وإسرائيل" (الأيام (٢) ٢٥/ ٢٦)، فأي السفرين كتب أولًا؟
[ ١٣٩ ]
وقد تكرر هذا التداول بينهما مرارًا، فكلا من الكاتِبَين يصر على أن الآخر قد كتب أولًا، وأنه ترك بعض التفصيلات التي قرأها عند الآخر [انظر حديث السفرين عن الملك يوثام (الملوك (٢) ١٥/ ٣٦) و(الأيام (٢) ٢٧/ ٧)، وتأمل ثانية في إحالتهما المتبادلة عن أخبار الملك يهوياقيم (الأيام (٢) ٣٦/ ٨) و(الملوك (٢) ٢٤/ ٥)].