ثم ها هي أسفار العهد القديم تتهم القوم بتحريف التوراة، فحين كان بنو إسرائيل في بابل بدأ عزرا الكاتب في كتابة الأسفار الضائعة، والتي غابت عن بني إسرائيل طويلًا، لكن النبي إرميا، - وهو أحد أعظم أنبياء ما قبل السبي - نعى كثيرًا على أولئك الأنبياء الكذبة الذين سُبوا إلى بابل، وأخبر بانحرافهم وكذبهم على الله فيما ينسبونه إلى وحي الله، وقد وقع ذلك منه في نصوص عديدة، منها قوله: " قد سمعت ما قالته الأنبياء الذين تنبؤوا باسمي بالكذب قائلين: حلُمتُ، حلُمتُ " (إرميا ٢٣/ ٢٥).
ويقول: " كيف تقولون: نحن حكماء، شريعة الرب معنا حقًا، إنه إلى الكذب، حوَّلها قلم الكتبة الكاذب " (إرميا ٨/ ٨)، فقد حرفت كلمة الله بيد الكتبة الكذبة.
ويؤكد وقوع التحريف، ويتهدد بالعقوبة أولئك الذين مازالوا يتحدثون عن كلام الرب الذي حرفوه، فيقول: " وإذا سألك هذا الشعب أو نبي أو كاهن قائلًا: ما وحي الرب؟ فقل لهم: أي وحي؟ إني أرفضكم هو قول الرب، فالنبي أو الكاهن أو
[ ١٥٧ ]
الشعب الذي يقول: وحي الرب أعاقب ذلك الرجل وبيته. هكذا تقولون، الرجل لصاحبه، والرجل لأخيه، بماذا أجاب الرب وماذا تكلم به الرب: أما وحي الرب فلا تذكروه بعد، لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه، إذ قد حرّفتم كلام الإله الحي رب الجنود إلهنا" (إرمياء ٢٣/ ٣٣ - ٣٦).
ومثله وقع التحريف في سفره " فأخذ إرمياء درجًا آخر، ودفعه لباروخ بن نيريا الكاتب، فكتب فيه عن فم إرميا كل كلام السفر الذي أحرقه يهوياقيم ملك يهوذا بالنار، وزيد عليه أيضًا كلام كثير مثله " (إرميا ٣٦/ ٣٢)، ولم يذكر السفر من الذي زاد على قول إرمياء النبي.
كما تحدث إرميا عن أولئك الذين يدعون النبوة، والرب لم يرسلهم: "قال رب الجنود إله إسرائيل: لا تغشكم أنبياؤكم الذين في وسطكم وعرافوكم، ولا تسمعوا لأحلامهم التي يتحلمونها، لأنهم يتنبؤون لكم باسمي الكذب، أنا لم أرسلهم يقول الرب " (إرميا ٢٩/ ٨ - ٩).
ويواصل إرميا الحديث عن أولئك الذين رآهم يكتبون الكتب وينسبونها إلى الله، فيقول: "وصار في الأرض دَهَش وقشعريرة، الأنبياء يتنبؤون بالكذب، والكهنة تحكم على أيديهم، وشعبي هكذا أحب " (إرميا ٥/ ٣٠ - ٣١). لقد تمالأ الجميع على هذا التحريف، الأنبياء الكذبة والكهنة والشعب اليهودي.
ويقول النبي إشعيا: " ويل للذين يتعمقون ليكتموا رأيهم عن الرب، فتصير أعمالهم في الظلمة، ويقولون: من يبصرنا، ومن يعرفنا؟ يالتحريفكم " (إشعيا ٢٩/ ١٥ - ١٦).
وفي حزقيال " القائلون: وحي الرب. والرب لم يرسلهم .. وتكلمتم بعرافة كاذبة قائلين: وحي الرب، وأنا لم أتكلم " (حزقيال ١٣/ ٦ - ٧).
[ ١٥٨ ]
وهكذا تعرض التوراة نوعين من التحريف: تحريف الكتبة الذين يدعون الوحي، وتحريف بني إسرائيل وهم يحرفون كلام الله الذي جاء على لسان أنبيائه.
لقد حصل ما توقعه موسى ﵇ حين قال: " خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم .. لأني عارف أنكم بعد موتي تفسدون وتزيغون عن الطريق " (التثنية ٣١/ ٢٤ - ٢٩).