اعتمد كُتاب الأسفار من اليهود على ثقافات الأمم الوثنية المجاورة لبني إسرائيل، بل كادت بعض سطورهم أن تكون نقلًا حرفيًا لما في تلك الكتابات.
فالكثير من القصص التوراتية انتحلها كُتاب العهد القديم من أساطير الأمم السابقة لبني إسرائيل، وظهر صداها واضحًا في أسفار العهد القديم.
ومن ذلك ما ذكره سفر التكوين عن مضاجعة لوط. (انظر التكوين ١٩/ ٣٠ - ٣٧) والتي انتحلها العهد القديم وكتابه المجهولون من أسطورة مصرية ذكرها شوقي عبد الحكيم في كتابه "أساطير وفلكلور العالم العربي ".
وتتحدث الأسطورة عن إلهة الموت "أفروديت" التي كانت تتمنى أن تنجب طفلًا من أخيها الأكبر أوزوريس، فأسكرته وضاجعته، فولدت منه الإله أنوييس.
وأما سفر إستير والذي يذكر قصة إستير وابن عمها مردخاي، وانتقامها من هامان وزير ملك فارس أحشويرس، فالقصة مشابهة لما جاء في التراث البابلي في ملحمة البابليين والعيلاميين، ولكل بطل من أبطال القصة التوراتية مقابل في الأسطورة البابلية.
فإستير اليهودية هي عشتار البابلية، وهامان هو إله العيلاميين، ومردخاي هو مردوك البابلي.
ومما يؤكد هذا الاقتباس أن التاريخ الفارسي لا يذكر شيئًا عن أبطال القصة التوراتية وخاصة إستير والملكة فشني. (١)
_________________
(١) انظر: دراسة عن التوراة والإنجيل، كامل سعفان، ص (١٤، ١٥٨ - ١٥٩).
[ ٧٧ ]
وأما المزامير فتتشابه مع الأناشيد والتراتيل المصرية وغيرها، فالعالم أدولف إيرمان في بحثه القيم "مصدر مصري لأمثال سليمان " والذي قدمه عام ١٩٢٤م، وتابعه فيه العالم جيمس هنري برستيد، فإنهما يريان بأن المزمور ١٠٤ يتشابه بشكل شبه حرفي مع نشيد أخناتون الكبير، وخاصة الفقرات (٢٠ - ٣٠).
وهذا ما أكدته دائرة المعارف الكتابية حيث تقول: "البحث الأركيولوجي في بابل وفي مصر قد كشف عن أناشيد متقدمة كما أن الكشف عن آداب الكنعانيين في أوغاريت قد أمدنا بقصائد هامة مشابهة للمزامير منذ عصر موسى". (١)
كما يرى المحققون أن المزمور التاسع والعشرين مقتبس عن قصيدة من أوغاريت " للبعل " مع استبدال اسم " البعل " باسم " يهوه.
وأما المزمور ١٩ فمقدمته هي الابتهالات عينها التي كانت تقدم لإله الشمس. (٢)
وأما سفر نشيد الإنشاد فيرى ول ديورانت أنه من وضع شعراء عبرانيين تأثروا بالروح الهيلينية التي وصلت مع غزو الإسكندر، وقد يكون السفر مأخوذًا من آداب مصرية بدليل أن العاشقين كان يخاطب أحدهما الآخر: أخي. أختي، وهو أسلوب مصري قديم. (٣)
ويؤكد العالمان إيرمان وبرستيد أن بعض ما جاء في سفر الأمثال المنسوب إلى سليمان (القرن العاشر ق م) يتشابه بشكل فاضح مع كتاب " الحكم " لأمنحوبي (أمنوفيس) المصري القديم (القرن الحادي عشر ق م)، وكان قد قسم كتابه إلى ثلاثين فصلًا، واشتهر باسم " ثلاثون فصلًا من الحكمة" ونقل كاتب السفر التوراتي بعض هذه الحكم مع تغيير بسيط في ألفاظها.
_________________
(١) دائرة المعارف الكتابية (٤/ ٢٣٣ - ٢٣٤)، وانظر: قاموس الكتاب المقدس، ص (٩٠٢).
(٢) انظر: المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم، محمد البار، ص (١٣١، ٢٢٣).
(٣) انظر: دراسة عن التوراة والإنجيل، كامل سعفان، ص (١٥٤ - ١٥٥).
[ ٧٨ ]
ويذكر مصطفى محمود في كتابه "التوراة" بعضًا من صور التشابه، إذ يقول أمنحوبي: " الكاتب الماهر في وظيفته سيجد نفسه أهلًا للعمل في رجال البلاط " ويقول سفر الأمثال ناقلًا عنه: " أرأيت رجلًا مجتهدًا في عمله، إنه يقف أمام الملوك " (الأمثال ٢٢/ ٢٩).
وأيضًا يقول أمنحوبي: " لا تصاحب رجلًا حاد الطبع، ولا ترغب في محادثته "، وفي سفر الأمثال: "لا تستصحب غضوبًا، ومع رجل ساخط لا تجيء " (الأمثال ٢٢/ ٢٤). (١)
وأما سفر الجامعة فلا يمكن أن يصدر من نبي للروح التشاؤمية والنظرة السوداوية التي تسيطر على كاتبه الذي اقتبس من الأساطير البابلية، ومنها أن (صاحبة الحانة) نصحت جلجامش الحزين على موت أنكيدو بقولها: "أي جلجامش، املأ بطنك، وكن مرحًا بالليل والنهار، بالليل والنهار كن مبتهجًا، راضيًا، طهر ثيابك، واغسل رأسك بالماء، وألق بالك إلى الصغير الذي يمسك بيدك. واستمتع بالزوجة التي تضمها إلى صدرك ".
ويشبه هذا ما جاء في سفر الجامعة وفيه " اذهب. كُل خبزك بفرح، واشرب خمرك بقلب طيب، لأن الله منذ زمان قد رضي عن عملك، لتكن ثيابك في كل حين بيضاء، ولا يعوز رأسك الدهن، إلتذّ عيشًا مع المرأة التي أحببتها " (الجامعة ٩/ ٧). (٢)
كما نقل كُتّاب التوراة قصة الطوفان من السومريين، وتعود مخطوطاتهم إلى ٢٠٠٠ ق. م، حيث يتشابه العمود الثالث والرابع من اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش كما أوردهما فراس سواح في كتابه " كنوز الأعماق قراءة في ملحمة جلجامش"،
_________________
(١) انظر: المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم، محمد البار، ص (١٢٩ - ١٣١)، التوراة عرض وتحليل، فؤاد حسين علي، ص (٦٨ - ٧١)، التوراة، مصطفى محمود، ص (١٣).
(٢) انظر: ملحمة جلجامش، ترجمة: طه باقر، ص (٧٩)، ودراسة عن التوراة والإنجيل، كامل سعفان، ص (١٧٤).
[ ٧٩ ]
حيث جاء في الملحمة: "وما أن لاحت تباشير الصباح، حتى علت الأفق غيمة كبيرة سوداء اقتلع [الإله] أريجال الدعائم، ثم أتى [الإله] ننورتا، وفتح السدود بلغت ثورة حدد تخوم السماء، أحالت كل نور إلى ظلمة، والأرض [الفسيحة] قد تحطمت [كما الجرة]، ثارت العاصفة يومًا (كاملًا)، تزايدت سرعاتها حتى حجبت الجبال، أتت على الناس، (حصدتهم) كما الحرب، عميَّ الأخ عن أخيه، وبات أهل السماء لا يرون الأرض، حتى الآلهة ذعرت من هول الطوفان ستة أيام وست ليال، الرياح تهب، والعاصفة وسيول المطر تطغى على الأرض.
ومع حلول اليوم السابع. العاصفة والطوفان، التي داهمت كجيش، خفت شدتها، هدأ البحر وسكنت العاصفة وتراجع الطوفان واستقرت السفينة على جبل نصير أتيت بحمامة وأطلقتها طارت الحمامة بعيدًا ثم عادت إليَّ أتيت بغراب وأطلقته طار الغراب بعيدًا، فلما رأى الماء قد انحسر، حام وحط وأكل. ولم يعد".
وهذه المقتطفات من الملحمة تشبه كثيرًا ما جاء في قصة الطوفان في سفر التكوين، حيث جاء فيه: "وتعاظمت المياه وتكاثرت جدًا على الأرض. فكان الفلك يسير على وجه المياه. وتعاظمت المياه كثيرًا جدًا على الأرض. فتغطت جميع الجبال الشامخة التي تحت كل السماء. وانسدّت ينابيع الغمر وطاقات السماء. فامتنع المطر من السماء. ورجعت المياه عن الأرض رجوعًا متواليًا. وبعد مائة وخمسين يومًا نقصت المياه.
واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم السابع عشر من الشهر على جبال أراراط. وأرسل الغراب. فخرج مترددًا حتى نشفت المياه عن الأرض ثم أرسل الحمامة من عنده ليرى هل قلّت المياه عن وجه الأرض. فلم تجد الحمامة مقرًا لرجلها. فرجعت إليه إلى الفلك. لأن مياهًا كانت على وجه كل الأرض، فمدّ يده وأخذها، وأدخلها عنده إلى الفلك. فأتت إليه الحمامة عند المساء، وإذا ورقة زيتون خضراء في فمها. فعلم نوح
[ ٨٠ ]
أن المياه قد قلّت عن الأرض. فلبث أيضًا سبعة أيام أخر، وأرسل الحمامة فلم تعد ترجع إليه أيضًا" (التكوين ٧/ ١٨ - ٨/ ١٢). (١)
وقد قارب الحقيقة صبري جرجس حين وصف التوراة في كتابه " التراث اليهودي الصهيوني" بأنها "لا تكاد تزيد عن كونها مجموعة من الخرافات والقصص التي صيغت في جو أسطوري حافل بالإثارة، مجافٍ للعقل والمنطق، غاص بالمتناقضات، مشبع بالسخف ". (٢)
ويعترف بأثر هذه الأمم على التوراة المدخلُ الفرنسي للتوراة، فيقول: " لم يتردد مؤلفو الكتاب المقدس وهم يرون بداية العالم والبشرية أن يستقوا معلوماتهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من تقاليد الشرق الأدنى القديم، ولاسيما من تقاليد ما بين النهرين ومصر والمنطقة الفينيقية الكنعانية ".
وأما المطران كيرلس سليم بسترس رئيس أساقفة بعلبك فيقول:: "إذا كانت رواية حوادث إبراهيم على جانب كبير من الموضوعية التاريخية، فالفصول الأحد عشر الأولى من سفر التكوين هي مجموعة أساطير استقاها الشعب اليهودي من آداب الشعوب المجاورة ولا سيمَا الأدب البابلي .. لقد تأثرت كتابة واضعي الأسفار المقدسة لكلا التاريخين ليس بالآداب المجاورة فحسب، بل أيضًا بما اختبروه في حياة شعبهم طيلة الزمن الذي دوّنوا فيه تلك الأسفار". (٣)
ويقول فيلسيان شالي: "ألف بعض الإسرائيليين تعظيمًا لإلههم - منذ القرن العاشر حتى السابع - مجموعة الأساطير التي ستوضع بعد ذلك في كتابهم المقدس، مثل خلق العالم والإنسان، والجنة المفقودة، والطوفان، وكثير من عناصر هذه الأساطير مستعار من البلاد التي كانت إسرائيل على صلة بها، أي من مصر وبابل خاصة". (٤)
وتتشابه كثيرًا الشرائع التوراتية مع قوانين حمورابي، الذي سبق ظهور اليهود وكتبهم بعدة قرون، وصور التشابه كثيرة، حتى يخيل للناظر إلى كثرتها أن التوراة بشرائعها نسخة من قوانين حمورابي الوثني، ومن صور التشابه ما جاء في الأسفار بخصوص الثور النطاح: " إذا نطح ثور رجلًا أو امرأة فمات يرجم الثور ولا يؤكل
_________________
(١) وانظر: ملحمة جلجامش، ترجمة: طه باقر، ص (٩٨ - ٩٩).
(٢) انظر: دراسة عن التوراة والإنجيل، كامل سعفان، ص (١٤٠)، وقاموس الكتاب المقدس، ص (٥٨٢ - ٥٨٤).
(٣) اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر، المطران كيرلس سليم بسترس (١/ ٧٦ - ٧٧).
(٤) موجز تاريخ الأديان، فيلسيان شالي، ص (١٧٦).
[ ٨١ ]
لحمه، وأما صاحب الثور فيكون بريئًا. ولكن إن كان ثورًا نطاحًا من قبل، وقد أُشهد على صاحبه ولم يضبطه، فقتل رجلًا أو امرأة، فالثور يرجم، وصاحبه يقتل أيضًا إن نطح الثور عبدًا أو أمة. يعطى سيدُه ثلاثين شاقل فضة، والثور يرجم" (الخروج ٢١/ ٢٨ - ٣٢).
ويقابل ذلك ما جاء في قوانين حمورابي" مادة ٢٥٠ - ٢٥٢ " وفيه: (إذا نطح ثور أثناء سيره في الشارع رجلًا فقتله، فلا وجه لتقديم مطالبات من أي نوع. أما إذا كان الثور ناطحًا من قبل، وتبينت لصاحبه هذه الحقيقة، ومع ذلك لم يكسر قرونه أو يربطه، فإذا نطح هذا الثور رجلًا حرًا فقتله، فعلى صاحب الثور أن يدفع ثلاثين شاقلًا من الفضة. أما إذا نطح عبدًا فيعطى سيده عشرين شاقلًا من الفضة).
ومثله التشابه بين (الخروج ٢٢/ ٧) والمادة ١٢٤ من حمورابي. وكذا التشابه بين (الخروج ٢٢/ ١٠ - ١٢) والمواد ٢٤٤ - ٢٤٦ - ٢٦٦ من قوانين حمورابي، وكذا (الخروج ٢١/ ١٨ - ١٩) والذي يشبه المادة ٢٠٦ من شريعة حمورابي، في حين يتشابه (الخروج ٢١: ٢٢) مع مادة ٢٠٩ من شريعة حمورابي.
وتعقب دائرة المعارف الكتابية: " وهكذا نجد العديد من المشابهات في المواضيع والأحكام، بين شريعة موسى وقوانين حمورابي لا نستطيع الجزم بأن التوافقات التي عرضناها قد جاءت نتيجة مصادفة عشوائية وعندما اتصل الإسرائيليون بالحضارة البابلية بعد دخولهم إلى أرض كنعان، كان من الطبيعي أن يستخدموا ما أفرزته تلك الحضارة، مما وجدوه فيها نافعًا لهم". (١)
_________________
(١) دائرة المعارف الكتابية (٣/ ١٧٨ - ١٧٩)، وانظر: قاموس الكتاب المقدس، ص (١٠١٨).
[ ٨٢ ]