ومن صور التحريف بالنقص تلك الإحالات الإنجيلية إلى التوراة والتي لا نجدها في الأسفار الموجودة بين أيدينا، ومن ذلك ما جاء في متى " ثم أتى وسكن في
[ ١٤٦ ]
بلد تسمى ناصرة، ليكمل قول الأنبياء: أنه سيدعى ناصريًا " (متى ٢/ ٢٣).
ولا يوجد ذلك في شيء من التوراة. قال ممفرد الكاثوليكي في كتابه " سؤالات السؤال ": "الكتب التي كان فيها هذا انمحت، لأن كتب الأنبياء الموجودة الآن لا يوجد في واحد منها أن عيسى يدعى ناصريًا ". (١)
ومن صور النقص ما شهد المسيح بضياعه حين قال: "أو ما قرأتم في التوراة أن الكهنة في السبت في الهيكل يدنسون السبت وهم أبرياء" (متى ١٢/ ٥)، ولا يوجد مثله في كلام التوراة، فدل ذلك على ضياعه وفقده.
ونحوه في قوله: "من آمن بي - كما قال الكتاب - تجري من بطنه أنهار ماء حيّ" (يوحنا ٧/ ٣٧)، وهذه الإحالة مفقودة من الكتاب.
ومما نفقده في سفر المراثي أخبار رثاء الملك يوشيا، فقد ذكر كاتب سفر الأيام الثاني أنه موجود فيه فقال: "ورثى إرميا يوشيا، وكان جميع المغنين والمغنيات يندبون يوشيا في مراثيهم إلى اليوم، وجعلوها فريضة على إسرائيل، وها هي مكتوبة في المراثي" (الأيام (٢) ٣٥/ ٢٥).
وهذا الموضوع لم يتطرق إليه سفر المراثي أبدًا بشهادة الآباء اليسوعيين الذين كتبوا في حاشيته: "سفر المراثي المنسوب إلى هذا النبي (إرميا) لا يحتوي على شيء يتعلق على وجه خاص بهذا الملك، إن هذا النص الذي يستند محرر الأخبار إليه مفقود". (٢)
ومن صور النقص ما جاء في سفر التثنية "فإن كان المذنب مستوجب الضرب يطرحه القاضي ويجلدونه أمامه، على قدر ذنبه، بالعدد أربعين يجلده، لا يزد لئلا إذا زاد
_________________
(١) انظر: إظهار الحق، رحمة الله الهندي (٢/ ٥٣٨ - ٥٣٩).
(٢) وانظر المدخل إلى العهد القديم، د. صموئيل يوسف، ص (٣٠٣).
[ ١٤٧ ]
في جلده على هذه ضربات كثيرة يحتقر أخوك في عينيك، (بياض)، لا تَكُمَّ الثور في دراسه (١)، (ثم ينتقل النص إلى موضوع آخر) إذا سكن إخوة معًا ومات واحد منهم " (التثنية ٢٥/ ٢ - ٥)، فثمة نقص واضح في المعنى استعاض ناسخو الكتاب عنه بترك بياض، للدلالة على وجود سقط في النص، ولا علاقة بين مثل كم الثور وما قبله من حديث عن العدل في عقوبة المذنب.
ومن السقط أيضًا خاتمة الإصحاح الثاني من سفر الخروج، الذي ينتهي بصورة فجائية، عند قوله: "ونظر الله بني إسرائيل، وعلِم اللهُ" (الخروج ٢/ ٢٥)، وقد أشار محققو نسخة الرهبانية اليسوعية إلى أن الإصحاح مبتور.
ومن النقص ما تضع بعض التراجم والنسخ نجومًا بدلًا منه، منها النسخة العربية لدار الكتاب المقدس التي اعتمدناها في هذه السلسلة.
ففي سفر صموئيل نقص بيان جزاء بني إسرائيل إن استقاموا على عبادة الله، ففيه أن صموئيل قال: "إن اتقيتم الرب وعبدتموه وسمعتم صوته، ولم تعصوا قول الرب، وكنتم أنتم والملك أيضًا الذي يملك عليكم وراء الرب إلهكم ***** [هكذا في المطبوع]، وإن لم تسمعوا صوت الرب بل عصيتم قول الرب تكن يد الرب عليكم" (صموئيل (١) ١٢/ ١٤ - ١٥).
وتتكرر النجوم مرة أخرى في سفر صموئيل الثاني مشيرة إلى وجود سقط في تمام حديث داود عن العرج والعمي، فيقول السفر: "قال داود في ذلك اليوم: إن الذي
_________________
(١) مثل يُضرب في الدعوة إلى عدم حرمان المرء من ثمرة عمله كما يحرم الثور من الأكل بتكميم فمه حين الدراس، قال شراح التفسير التطبيقي: "إن لهذه الآية معنى أوسع، وهو ألا تكون بخيلًا مع من يعملون لأجلك". (انظر ص ٤٠٠).
[ ١٤٨ ]
يضرب اليبوسيين ويبلغ إلى القناة والعرج والعمي المبغضين من نفس داود ***** [هكذا في المطبوع] لذلك يقولون: لا يدخل البيت أعمى أو أعرج" (صموئيل (٢) ٥/ ٨).
ونحوه سقط بعض النص في سفر حزقيال في وصف الزانية وبيان حالها، واستعيض عنه بالنجوم "فقلت عن البالية في الزنا: الآن يزنون زنى معها، وهي [هكذا في المطبوع]، فدخلوا عليها كما يُدخَل على امرأة زانية" (حزقيال ٢٣/ ٤٣).
ومثله وقع النقص في رسالة ملك أرام إلى ملك إسرائيل "فأتى بالكتاب إلى ملك إسرائيل يقول فيه ******، فالآن عند وصول هذا الكتاب إليك، هوذا قد أرسلت إليك نعمان عبدي، فاشفه من برصه" (الملوك (٢) ٥/ ٦).
كما وقع النص في رسالة أخرى، وهي رسالة ياهو، حيث جاء في سفر الملوك "فكتب ياهو رسائل وأرسلها إلى السامرة، إلى رؤساء يزرعيل الشيوخ وإلى مربّي آخآب قائلًا: ******، فالآن عند وصول هذه الرسالة إليكم " (الملوك (٢) ١٠/ ١ - ٢).
وفي سفر الأيام الأول يفجؤنا نقص آخر عوضه كتبة الكتاب المقدس بنجوم أثبتوا من خلالها ضياع بعض كلمات الناموس، إذ يقول: "وبنو عزرة يثر ومرد وعافر ويالون ******، وحبلت بمريم وشماي ويشبح أبي اشتموع" (الأيام (١) ٤/ ١٧)، فيا ترى كم سقط من أبناء عزرة، ومن هم الذين تحدث عنهم النص قبل أن يعود لتلك التي سقط اسمها، والتي حبلت بمريم؟
وقد تنبه الآباء اليسوعيون ومحررو الترجمة العربية المشتركة للنقص، فأكملوه من عندياتهم، وأراحوا القراء من عناء الإجابة عن سؤالنا، فالنص عندهم: " وبنو عزرة: ياتر ومارد وعافر ودالون، واتخذ مارد بتية، فحبلت بمريم وشماي ويشباح"، إنهم يكملون عن الروح القدس والأنبياء ما فاتهم أن يسجلوه، أو بالأحرى يستكملون ما ضاع من أسفارهم!!
[ ١٤٩ ]
كما وقع النقص في خاتمة الإصحاح السادس من سفر زكريا، ولم يجد طابعو الكتاب المقدس ما يكملون به الجملة إلا أربعة من النجوم ختموا بها هذا الإصحاح "والبعيدون يأتون ويبنون في هيكل الرب، فتعلمون أن رب الجنود أرسلني إليكم، ويكون إذا سمعتم سمعًا صوت الرب إلهكم ****" (زكريا ٦/ ١٥).
وفي أحيان أخرى وضع طابعو الكتاب المقدس (--) للدلالة على وجود سقط في النص، ومن صوره "هذه أيضًا للحكماء--- محاباة الوجوه في الحكم ليست صالحة" (الأمثال ٢٤/ ٢٣)، ونحوه في سفر إرمياء "في الأنبياء-- انسحق قلبي في وسطي، ارتخت كل عظامي" (إرمياء ٢٣/ ٩)، ومثله في نشيد الإنشاد "وحنكك كأجود الخمر-- لحبيبي السائغة المرقرقة السائحة على شفاه النائمين" (نشيد ٧/ ٩).
ومن النقص في الأسفار ضياع اسم الكاهن الذي كان لعشيرة منيامين، فقد سها عنه كاتب سفر نحميا حين قال: "ولأبيا زكري، ولمنيامين، لموعديا فلطاي" (نحميا ١٢/ ١٧)، وعلقت الترجمة العربية المشتركة بقولها: "لا يورد النص العبري اسم الكاهن في عشيرة منيامين"، وأما الآباء اليسوعيون، فوضعوا نقطًا بدلًا عن الاسم المفقود.
وينسب سفر طوبيا (من أسفار الأبوكريفا) إلى توراة موسى ما ليس فيها، فقد أمر ملاك الرب طوبيا بخطبة سارة بنت رعوئيل، وقال له مطمئنًا: "فأنا أعلم أن رعوئيل لا يقدر أن يزوجها لأحد سواك حسب شريعة موسى، لأنه يعاقب بالموت، لأنك أحق الناس بها" (طوبيا ٦/ ١٣)، وهذا الحكم غير موجود في شريعة موسى، لذا علق محققو الترجمة العربية المشتركة على هذا النص بقولهم: "لا نجد في شريعة موسى عقاب الموت في هذه الحالة".
إن هذه المواضع الضائعة من أسفار العهد القديم لم تنجح في استدراكها آلاف
[ ١٥٠ ]
المخطوطات التي يتباهى بكثرتها النصارى، فهي على كثرتها لم تكن كافية في إبلاغنا النصوص التوراتية بتمامها، ولرؤية المزيد مما استعاض عنه طابعو الكتاب المقدس بالنجوم تارة وبترك بياض تارة أخرى ندعو للتأمل في (الأيام (٢) ٣٦/ ٢٣)، و(عزرا ١/ ٣)، و(عزرا ٦/ ٥ - ٦)، (المزمور ١٣٧/ ٥) وغيرها من المواطن.
ومن صور التحريف بالنقص تلك الأسفار الضائعة
ويمتد السقط والضياع في الأسفار التوراتية ليشمل أسفارًا توراتية ضاعت واندرس خبرها، وشهد لضياعها أسفار العهد القديم الموجودة في الكتاب المقدس.
منها: سفر حروب الرب المذكور في سفر العدد، حيث يقول: "لذلك يقال في كتاب حروب الرب واهب في سوفة وأودية أرنون" (العدد ٢١/ ١٤).
وكذا فُقِد سفر ياشر، فقد قال يشوع النبي: " أليس هذا مكتوبًا في سفر ياشر: فوقفت الشمس في كبد السماء ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل" (يشوع ١٠/ ١٣)، وفي موضع آخر: "أن يتعلم بنو يهوذا نشيد القوس، هوذا ذلك مكتوب في سفر ياشر" (صموئيل (٢) ١/ ١٨).
وكذا يَرثي المحققون ويألمون لضياع سفر أخبار صموئيل الرائي، وسفر أخبار ناثان النبي، وأخبار جاد الرائي الذين ذكروا في سفر الأيام، حيث يقول: "وأمور داود الملك الأولى والأخيرة هي مكتوبة في أخبار صموئيل الرائي وأخبار ناثان النبي وأخبار جاد الرائي" (الأيام (١) ٢٩/ ٢٩).
ومن الأسفار الضائعة سفر أخبار شمعيا النبي، وسفر عدوَ الرائي المذكوران في سفر الأيام "أمور رحبعام الأولى والأخيرة، أما هي مكتوبة في أخبار شمعيا النبي وعِدّو الرائي " (الأيام (٢) ١٢/ ١٥).
[ ١٥١ ]
ومن الضائع أيضًا سفر أخبار النبي أخيا الشيلوني " هي مكتوبة في أخبار ناثان النبي وفي نبوّة أخيا الشيلوني وفي رؤى يعْدو الرائي " (الأيام (٢) ٩/ ٢٩).
ومنها أيضًا سفر ينسب للنبي إشعيا ذكره كاتب سفر الأيام حين قال: "وبقية أمور عزيا الأولى والأخيرة كتبها إشعيا بن آموص النبي" (الأيام (٢) ٢٦/ ٢٢)، ومن المعلوم أن سفر إشعيا الحالي لم يتحدث مطلقًا عن الملك عزيا، فإما أنه سقط منه، أو أن الإحالة إلى سفر آخر كتبه النبي إشعيا، وضاع فيما ضاع من أسفار التوراة.
يقول آدم كلارك: " حصل لقلوب العلماء قلق عظيم لأجل فقدان تاريخ المخلوقات فقدانًا أبديًا".
ومقصوده ما جاء في سفر الملوك عن سليمان: " وتكلم بثلاثة آلاف مثل، وكانت نشائده ألفًا وخمسًا، وتكلم عن الأشجار من الأرز الذي في لبنان إلى الزوفا النابت في الحائط، وتكلم عن البهائم وعن الطير وعن الدبيب وعن السمك" (الملوك (١) ٤/ ٣٢ - ٣٣)، فأين هذا السفر؟
يقول طامس أنكلس الكاثوليكي: " اتفاق العالم على أن الكتب المفقودة من الكتب المقدسة ليست بأقل من عشرين ". (١)
ومن الأسفار التي نفتقدها في العهد القديم سفر أخنوخ الذي استشهد به يهوذا في رسالته، وكان سببًا في تأخر الاعتراف برسالته (٢)، قال: "وتنبأ عن هؤلاء أيضًا أخنوخ السابع من آدم قائلًا: هوذا قد جاء الرب في ربوات قديسيه، ليصنع دينونة على الجميع ويعاقب جميع فجارهم على جميع أعمال فجورهم التي فجروا بها، وعلى جميع
_________________
(١) انظر: إظهار الحق، رحمة الله الهندي (٢/ ٥٨٣، ٥٨٧).
(٢) انظر: علم اللاهوت النظامي، واين جرودم (١/ ٤٨).
[ ١٥٢ ]
الكلمات الصعبة التي تكلم بها عليه خطاة فجار" (يهوذا ١/ ١٤).
وهذا السفر موجود بالفعل، واقتباس يهوذا منه موجود في (أخنوخ ١/ ٩) كما نقل محررو قاموس الكتاب المقدس، لكن آباء الكنائس النصرانية اعتبروه سفرًا مزيفًا غير قانوني، ولم يشفع له استشهاد يهوذا والآباء الأوائل للكنيسة به، يقول محررو قاموس الكتاب المقدس عن هذا السفر: "سفر من الأسفار غير القانونية .. والكتاب مليء بأخبار الرؤى عن المسيّا المنتظر والدينونة الأخيرة وملكوت المجد .. وقد اقتبس بعض الآباء الأوائل في العصور المسيحية الأولى بعض أقوال هذا السفر .. ولكن قادة المسيحيين فيما بعد أنكروا هذا الكتاب ورفضوه .. " (١)