وجاء في أسفار العهد القديم أن الله يشبه نفسه تشبيهات غريبة ممجوجة، فيشبه نفسه بالحيوان تارة وبالمخمور تارة، ومثل هذه الطريقة لا يرتضيها العقلاء في التعبير عن ذواتهم، فالقارئ الكريم لن يقبل لو شُبه بالحمار بجامع الصبر والجَلد في كليهما، أو بالقطة لما عندها من حنو على أبنائها، أو بالكلب لبالغ وفائه
ولكن الكثير من ذلك تنسبه التوراة إلى الله، من ذلك قوله: " فأكون لهم كأسد، أرصد على الطريق كنمر، أصدمهم كدُبّة مثكل، وأشق شغاف قلوبهم، وآكلهم هناك
[ ١٠٨ ]
كلبوة، يمزقهم وحش البرية " (هوشع ١٣/ ٧ - ٨).
ومثله التشبيه المنكر لله والذي جاء في سفر هوشع: "فأنا لأفرايم كالعث (الدودة)، ولبيت يهوذا كالسوس" (هوشع ٥/ ١٢).
ويشبه سفر ميخا حزن الرب على ما أصاب بني إسرائيل بنواح النعام ونحيب إناث الثعالب، فيقول: " قول الرب الذي صار إلى ميخا من أجل ذلك أنوح وأولول، أمشي حافيًا وعريانًا، أصنع نحيبًا كبنات آوى، ونَوحًا كرعال النعام" (ميخا ١/ ١ - ٨).
وفي نص آخر تذكر التوراة حزنه على شعبه وعذرائها أورشليم، فيقول للنبي إرميا: وتقول لهم هذه الْكلمة: "لتذرف عيناي دموعًا ليلًا ونهارًا، ولا تكفّا أبدًا، لأنّ العذراء بنت شعبي سحقتْ سحقًا عظيمًا" (إرميا ١٤/ ١٧).
ويستبد به الحزن إلى حد أن يدعو على نفسه بالويل والثبور " لأنه هكذا قال الرب ويل لي من أجل سحقي" (إرميا ١٠/ ١٧).
وفي صورة أخرى مشينة تصور الأسفار التوراتية سخط الله على أعداء بني إسرائيل من المؤابيين والأدوميين بصورة يترفع عن استعمالها كرام الناس وذوو الوقار فيهم، فيقول: "الله قد تكلم بقدسه وأفرايم خوذة رأسي، يهوذا صولجاني، موآب مرْحضتي، وعلى أدوم ألْقي حذائي" (المزمور٦٠/ ٦ - ٨)، فجعل - على سبيل الاستعارة والتشبيه - المؤابيين مكانًا لتنظفه من الأقذار للدلالة على سخطه، كما عبر عن سخطه على الأدوميين بإلقاء الحذاء عليهم!
وتستمر المخازي في التشبيهات التوراتية، فتشبه الله ﷿ بالمرأة تارة، وبالزوج تارة، فقد جاء فيها: "لأن بعلك هو صانعك، رب الجنود اسمه .. لأنه كامرأة مهجورة ومحزونة الروح، دعاك ربك" (إشعيا ٥٤/ ١ - ٦).
[ ١٠٩ ]
وفي موضع آخر أنه قال: "من أجل ذنوبكم طلَّقتُ أمكم" (إشعيا ٥٠/ ١).
ومثله أن الله خاطب أورشليم " وكفرح العريس بالعروس يفرح بك إلهك " (إشعيا ٦٢/ ٥).
ومن سيئ التشبيهات التوراتية تشبيه الله العظيم بالسكران يفيق من سكره، فتقول: " استيقظ الرب كنائم، كجبار معّيط من الخمر، فضرب أعداءه إلى الوراء، جعلهم عارًا أبديًا" (المزمور ٧٨/ ٦٥).
ومثله في السوء التعبير عن انتقام الله من بني إسرائيل بتسليط ملك أشور عليهم، إذ يشبهه سفر إشعيا تشبيهًا منكرًا، فيقول: " في ذلك اليوم يحلق السيد بموسى مستأجرة في عبر النهر، بملك أشور الرأسَ وشعر الرجلين، وتنزع اللحية أيضًا " (إشعيا ٧/ ٢٠).
فمثل هذه التشبيهات المستنكرة والتعبيرات غير المقبولة لا يمكن أن تصدر عن الله العظيم، ولا يليق أن يوصف بها، أوليس من طريقة أفضل يعبر بها الإله عن غضبه أو حبه!!
وكيف لهذه التشبيهات أن تنسب إلى الله، وقد قال منكرًا تشبيهه بغيره: "فبمن تشبهون الله، وأي شبه تعادلون به .. فبمن تشبهونني، فأساويه، يقول القدوس" (إشعيا ٤٤/ ١٨ - ٢٥).
[ ١١٠ ]