بدأ ضياع التوراة كما تحدث سفر (صموئيل (١) ٤/ ١١) عند فقدهم للتابوت في معركة مع الفلسطينيين، ثم عاد إليهم بعد سبعة شهور، ولما فتحوا التابوت " لم يكن في التابوت إلا لوحا الحجر اللذان وضعهما موسى " (الملوك (١) ٨/ ٩).
كما تعرض بيت المقدس لغزو عام ٩٤٥ ق. م من قبل شيشق ملك مصر، وكان هذا الغزو كفيلًا بفقد كل ما في الهيكل من نسخ التوراة " وفي السنة الخامسة للملك رحبعام صعد شيشق ملك مصر إلى أورشليم وأخذ خزائن بيت الرب، وخزائن بيت الملك، وأخذ كل شيء " (الملوك (١) ١٤/ ٢٥ - ٢٦).
ثم فقدت التوراة سنين طويلة، ولم توجد لها باقية، إذ عاد بنو إسرائيل إلى الوثنية، ولم يعد للتوراة ذكر.
ثم في عام ٦٢٢ ق. م، وبعد ثمان عشرة سنة من حكم الملك يوشيا الذي أراد أن يعيد بني إسرائيل إلى عبادة الله، ادعى الكاهن حلقيا أنه وجد سفر الشريعة، وقال: " قد وجدت سفر الشريعة في بيت الرب .. فلما سمع الملك كلام سفر الشريعة مزق ثيابه " (الملوك (٢) ٢٢/ ٨ - ١١).
ولم تبين النصوص ما الذي وجده حلقيا بعد هذه السنين؟ هل وجد لوحي الحجر أم ما كتبه موسى، أم أن المقصود بسفر الشريعة هو سفر التثنية أو سفر اللاويين المختصين بالشرائع؟ (١)
_________________
(١) يرجح محررو قاموس الكتاب المقدس ثم القس الدكتور صموئيل يوسف أن ما عثر عليه حلقيا هو الجزء الأكبر من سفر التثنية أو نواة هذا السفر. انظر: قاموس الكتاب المقدس، ص (١١٢٠)، والمدخل إلى العهد القديم، القس الدكتور صموئيل يوسف، ص (٧٥).
[ ٧٠ ]
وفي عام ٦٠٥ ق. م تسلط الملك بختنصر على بيت المقدس، فنهب وسلب وأحرق وسبا عشرة آلاف من أهلها. (انظر الملوك (٢) ٢٤/ ١١ - ١٥).
ثم في عام ٥٨٦ ق. م عاد بختنصر إلى أورشليم " وأحرق بيت الرب وبيت الملك وكل بيوت أورشليم، وكل بيوت العظماء أحرقها بالنار " (الملوك (٢) ٢٥/ ٩).
وهنا فقدت توراة حلقيا كما يشهد بذلك علماء أهل الكتاب، يقول كليمني اسكندريانوس: "إن الكتب السماوية ضاعت، فألهم عزرا أن يكتبها مرة أخرى ".
ويؤكده محررو قاموس الكتاب المقدس بقولهم: "مما لا شك فيه أن معظم الأسفار المقدسة أُتلف أو فُقد في عصر الارتداد عن الله والاضطهاد في مدة حكم الملك منسي". (١)
ويقول القس الدكتور صموئيل يوسف: "اعتقد آباء الكنيسة الاولى ومنهم إيريناوس وترتليان وكليمندس السكندري وجيروم بأن موسى هو كاتب الأسفار الخمسة، وذهبوا إلى الاعتقاد أيضًا أن هذه الأسفار أحرقها نبوخذ نصر وقت محاصرته اورشليم، فأعاد عزرا كتابتها من جديد بإلهام من الروح القدس". (٢)
ويحكي سفر نحميا عن حالة الفرح العارم التي أصابت بني إسرائيل لما كتب لهم عزرا التوراة المفقودة " ونحميا أي الترشاثا وعزرا الكاهن الكاتب واللاويون المفهمون الشعب قالوا لجميع الشعب: هذا اليوم مقدس للرب إلهكم، لا تنوحوا ولا تبكوا، لأن جميع الشعب بكوا حين سمعوا كلام الشريعة وكان اللاويون يسكتون كل الشعب قائلين: اسكتوا لأن اليوم مقدس، فلا تحزنوا وفي اليوم الثاني اجتمع رؤوس آباء
_________________
(١) قاموس الكتاب المقدس، ص (١١٢٠).
(٢) المدخل إلى العهد القديم، القس الدكتور صموئيل يوسف، ص (٧٣).
[ ٧١ ]
جميع الشعب والكهنة واللاويون إلى عزرا الكاتب ليفهمهم كلام الشريعة " (نحميا ٨/ ٩ - ١٤).
يقول إيريناوس: "عندما أبيدت الأسفار المقدسة وعاد اليهود إلى وطنهم بعد سبعين سنة؛ ألهم عزرا الكاهن لاستعادة كل كلام الأنبياء السابقين ويعيد إلى الشعب شريعة موسى". (١)
ويقول تهيوفلكت: " إن الكتب المقدسة انعدمت رأسًا، فأوجدها عزرا مرة أخرى بالإلهام ".
وقد كتب عزرا هذه الكتب وهو في سبي بابل، فقد سماه ملك فارس بعزرا الكاتب، حيث قال: "من ارتحشستا ملك الملوك إلى عزرا الكاهن كاتب شريعة إله السماء الكامل" (عزرا ٧/ ١٢).
ويسهب سفر عزرا في الحديث عن مهارات عزرا وإمكاناته التي يسرت له كتابة الأسفار المقدسة: " عزرا هذا صعد من بابل، وهو كاتب ماهر في شريعة موسى التي أعطاها الرب إله إسرائيل لأن عزرا هيأ قلبه لطلب شريعة الرب، والعمل بها، وليعلم إسرائيل فريضة وقضاء .. عزرا الكاهن كاتب شريعة إله السماء" (عزرا ٧/ ٥ - ١٠).
والمتأمل في النص السابق يلحظ ما يدفع قول القائلين بنبوة عزرا أو إلهاميته، حيث سماه الكاهن، ولم يسمه النبي، ولو كان نبيًا لما حسن تسميته بالكاهن، كما أشار السفر إلى مهارة عزرا الشخصية، وهي أيضًا خلاف ما عهد في الأنبياء الذين يعدهم الله لحمل كتبه، فالنبوة عطاء ومنحة إلهية، وليست كسبًا شخصيًا لعزرا أو غيره.
_________________
(١) تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، ص (٢١٦).
[ ٧٢ ]