ومما لا طائل منه ولا فائدة، تلك المعلومات التاريخية التي تبلغ ٩٠% من موضوعات الأسفار المقدسة، والكثير منها معلومات تافهة لا تفيد حتى من الناحية التاريخية، من ذلك ما ورد في سفر صموئيل عن الطعام الذي قدمته امرأة نابال إلى داود حتى لا يقتله وأهل بيته " فبادرت أبيجال، وأخذت مائتي رغيف خبز وزقي خمر، وخمسة خرفان مهيئة، وخمس كيلات من الفريك، ومائتي عنقود من الزبيب، ومائتي
[ ١٣٥ ]
قرص من التين، ووضعتها على الحمير " (صموئيل (١) ٢٥/ ١٨)، فما الذي أفاد البشرية معرفةُ ذلك، والكتاب، كل الكتاب الموحى به من الله - كما قال بولس-: "نافع للبر والتوبيخ، للتقويم والتأديب"!
وفي سفر (الأيام (١) ٢٤ - ٢٧) يعرض لنا قائمة طويلة لوكلاء داود وولاته، فما علاقة ذلك بوحي الله، وأين التهذيب والتأديب في ذلك؟
وفي سفر الملوك الأول إصحاحان كاملان في وصف الهيكل وطوله وعرضه وسماكته وارتفاعه وعدد نوافذه وأبوابه وتفاصيل تزعم التوراة أنها المواصفات التي يريدها الرب لمسكنه الأبدي (انظر الملوك (١) ٦/ ١ - ٧/ ٥١).
ثم في موضع آخر تقول: " هل يسكن الله حقًا على الأرض، هوذا السموات وسماء السموات لا تسعك، فكم بالأقل هذا البيت الذي بنيت" (الملوك (١) ٨/ ٢٧).
وفي أخبار الأيام الأول ست عشرة صفحة كلها أنساب لآدم وأحفاده وإبراهيم وذريته. (انظر الأيام (١) ١/ ١ - ٩/ ٤٤).
ثم قائمة أخرى بأسماء العائدين من بابل حسب عائلاتهم، وأعداد كل عائلة إضافة لأعداد حميرهم وجمالهم و (انظر عزرا ٢/ ١ - ٦٧).
كما ثمة قوائم أخرى بأعداد الجيوش والبوابين من كل سبط، وعدد كل جيش و (انظر الأيام (١) ٢٣/ ١ - ٢٧/ ٣٤).
وفي سفر الخروج يأمر موسى بصناعة التابوت بمواصفات دقيقة تستمر تسع صفحات، فهل وحي ينزل بذلك كله وغيره مما يطول المقام بتتبعه.
وأحيانًا يُشعر كُتّاب الأسفار قراءهم بأن لديهم مصدرًا موثوقًا فيما يسردونه من معلومات تاريخية، فهم لا يلقون الكلام على عواهنه، كما صنع كاتب سفر الملوك،
[ ١٣٦ ]
وهو يتحدث عن قتل الملك ياهو لإيزابل وقد جاءت تطلب منه الأمان، فما كان منه إلا أن "رفع وجهه نحو الكوّة وقال: من معي؟ من؟ فأشرف عليه اثنان أو ثلاثة من الخصيان" (الملوك (٢) ٩/ ٣٢)، فالكاتب المجهول لسفر الملوك الذي أُلهم كتابة القصة متشكك في عدد الخصيان الذين أجابوا الملك، ولفرط أمانته ذكر تحيره وتشككه في عددهم، فهم إما "اثنان أو ثلاثة"، أراد أن يثبت للقارئ نزاهته وأمانته ودقته، وأن يبرهن له أيضًا أنه يكتب بحسب معلوماته ومصادره؛ لا بوحي الله الذي لا تغيب عنه غائبة.