كما تسيء التوراة إلى موسى - ﵇ - أعظم أنبياء بني إسرائيل، وتذكر كلمات لا يمكن أن تصدر من موسى لما فيها من إساءة أدب مع الله، منها: " فقال موسى للرب: لماذا أسأت إلى عبدك؟ ولماذا لم أجد نعمة في عينيك حتى أنك وضعت ثقل جميع هذا الشعب علي؟ ألعلي حبلت بجميع هذا الشعب؟ أو لعلي ولدته .. فإن كنت تفعل بي هكذا فاقتلني قتلًا، إن وجدتُ نعمة في عينيك فلا أرى بليتي " (العدد ١١/ ١٠ - ١٥)، فهل يتحدث عبد - فضلًا عن نبي - مع ربه بمثل هذا؟
وتذكر التوراة أن موسى في حربه مع أهل مديان - الذين مكث فيهم سنين - أمر بقتلهم شر قتلة، وحين لم ينفذ الجيش أمره " فسخط موسى على وكلاء الجيش رؤساء الألوف ورؤساء المئات القادمين من جند الحرب، وقال لهم موسى: هل أبقيتم كل أنثى حية؟ فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال، وكل امرأة عرفت رجلًا بمضاجعة ذكر
[ ١١٥ ]
اقتلوها، لكن جميع الأطفال من النساء اللواتي لم يعرفن مضاجعة ذكر أبقوهن لكم حيّات" (العدد ٣١/ ١٤ - ١٨).
ولم يخبر السفر عن طريقة التمييز بين الأبكار وغيرهن، فهل يأمر نبي بمثل هذا؟!!
وأما هارون القدوس كما في سفر المزامير" هارون قدوس الرب" (المزمور ١٠٦/ ١٦)، فإن سفر الخروج يفتري عليه، ويتهمه بأنه الذي صنع العجل لبني إسرائيل ليعبدوه، فيقول: "قال لهم هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم، وأتوني بها. فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم، وأتوا بها إلى هارون، فأخذ ذلك من أيديهم، وصوّره بالإزميل، وصنعه عجلا مسبوكًا، فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر" (الخروج ٣٢/ ٢ - ٤)، فهل هذا صنيع يصنعه قدوس الرب؟
ثم تذكر التوراة المحرفة أن الله حرم موسى وهارون من دخول الأرض المقدسة لخيانتهما لله وعدم إيمانهما: "فقال الرب لموسى وهارون: من أجل أنكما لم تؤمنا بي، حتى تقدساني أمام أعين بني إسرائيل، لذلك لا تدخلان هذه الجماعة إلى الأرض التي أعطيتهم إياها" (العدد ٢٠/ ١٢).
وفي موضع آخر يؤكد هذا السبب لحرمانهما من دخول الأرض المباركة، فيقول:" لأنكما خنتماني في وسط بني إسرائيل، عند ماء مريبة قادش، في برية صين، إذ لم تقدساني في وسط بني إسرائيل" (التثنية ٣٢/ ٥١).
وتذكر التوراة في قصة غريبة مبهمة من غير مقدمات لها، ومفادها أن الله أراد قتل موسى وهو في صحراء سيناء، حين كان متجهًا لدعوة فرعون كما أمره الرب، والذي أنقذه من القتل ذكاء زوجته صفورة وسرعة بديهتها، حيث أدركت أن سبب غضب الرب عدم ختان موسى لابنه، فختنته سريعًا، ووضعت غرلته عند رجلي الرب،
[ ١١٦ ]
فنجا موسى من الموت، يقول السفر: "حدث في الطريق في المنزل أن الرب التقاه، وطلب أن يقتله، فأخذت صفّورة صوّانة، وقطعت غرلة ابنها، ومسّت رجليه، فقالت: إنك عريس دم لي، فانفكّ عنه عندما قالت: عريس دم من أجل الختان " (الخروج ٤/ ٢٤ - ٢٦)، ولم يبين السفر السبب الصريح لهذه الغضبة الإلهية المزعومة، واكتفى ببيان هذه الطريقة الغريبة في استرضاء الرب.
لكن لعلنا نكتشف السر حين ننقل للقارئ تعليق الآباء اليسوعيين على هذه القصة في حاشية نسخة الرهبانية اليسوعية، حيث يكشف لنا الآباء أن ما حصل من صفورة كان خداعًا للرب، وأنها نجحت في ذلك: "رواية غامضة بسبب اقتضابها وعدم وجود أي سياق في الكلام .. يجوز التكهن والقول بأن قلف موسى يجلب عليه غضب الله، وأن هذا الغضب سكن حين ختنت صفورة ابنها، وتظاهرت بختان موسى، فلمست عورته"، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.