كما وتنسب النصوص إلى الله أفعالًا كتلك التي تصدر عن البشر بسبب جِبلتهم وضعفهم الذي خلقهم الله عليه، ومن ذلك عجز الإله عند مصارعة يعقوب، يقول سفر التكوين: " فبقي يعقوب وحده، وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر، ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حقّ فخذه، فانخلع حقّ فخذ يعقوب في مصارعته معه.
وقال: أطلقني لأنه قد طلع الفجر، فقال: لا أطلقك إن لم تباركني. فقال له: ما اسمك؟ فقال يعقوب: فقال: لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب، بل إسرائيل، لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت. وسأل يعقوبُ وقال: أخبرني باسمك. فقال: لماذا تسأل عن اسمي؟ وباركه هناك. فدعا يعقوب اسم المكان فنيئيل، قائلًا: لأني نظرت الله وجهًا لوجه" (التكوين ٣٢/ ٢٤ - ٣٢). فقد صارع يعقوب الله وقدر عليه! ومعنى كلمة فينئيل وجه الله.
وتعليقًا على النص يقول محققو نسخة الرهبانية اليسوعية: "المقصود من هذه الرواية الغامضة هو الصراع الجسدي، أي صراع مع الله، يبدو فيه يعقوب الغالب أولًا، لكنه حين عرف طبيعة خصمه السامية اغتصب بركته، مع العلم أن النص يتجنب اسم الرب".
ولئن كان النص التوراتي يستنكف في هذا الموضع عن التصريح باسم المصارع الذي غلبه يعقوب فإنه يصرح باسمه في موضع آخر من سفر التكوين، فيقول: " وظهر الله ليعقوب أيضًا حين جاء من فدّان أرام وباركه، وقال له الله: اسمك يعقوب، لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب، بل يكون اسمك إسرائيل" (التكوين ٣٥/ ٩ - ١٠).
ومن العجز أيضًا قوله: "وكان الرب مع يهوذا، فملك الجبل، ولم يطرد سكان الوادي، لأن لهم مركبات من حديد " (القضاة ١/ ١٩)، فكان ذلك سببًا لعجزه عنهم، فكيف يكون الحال مع الأسلحة الحديثة المتطورة، وهل يعجز الإله عن حرب الدول التي تملك هذه الأسلحة!؟
كما تنسب التوراة إلى الله العظيم التعب، فهو حسب أسفارها رب يحتاج للراحة، فيسكن في مساكن متعددة " وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح "
[ ٩٣ ]
(التكوين ٢/ ١) "هكذا قال الرب .. أين البيت الذي تبنون لي؟ وأين مكان راحتي؟ " (إشعيا ٦٦/ ١).
كما تنسب التوراة إلى الرب - جل وعلا - الجهل والقصور والضعف، ومن ذلك أنه لما أراد معاقبة المصريين " كلم الرب موسى وهارون فإني أجتاز في أرض مصر هذه الليلة، وأضرب كل بكر في أرض مصر من الناس والبهائم، وأصنع أحكامًا بكل آلهة المصريين. أنا الرب، ويكون لكم الدم علامة على البيوت التي أنتم فيها، فأرى الدم، وأعبر عنكم، فلا يكون عليكم ضربة للهلاك حين أضرب أرض مصر " (الخروج ١٢/ ١ - ١٣).
فجعل الدم علامة على البيوت الإسرائيلية حتى لا يهلكها مع بقية البيوت، فهل يحتاج الرب العليم لمثل هذه العلامة حتى يفرق بين بيوت المصريين وبيوت الإسرائيليين؟
وتتحدث التوراة عن الله وكأن آدم قد قهره حين أكل من شجرة المعرفة والتفرقة بين الخير والشر، وكأنه خلقنا ولم يرد منا أن نميز الخير من الشر، ثم خاف وخشي أن يأكل آدم من شجرة الحياة، فيصبح كالرب من الخالدين، فأقام حرسًا من الملائكة في طريق هذه الشجرة " أوصى الربُ الإلهُ آدمَ قائلًا: من جميع شجر الجنة تأكل أكلًا، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها وقال الرب الإله: هوذا الإنسان قد صار كواحد منا، عارفًا الخير والشر. والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضًا، ويأكل ويحيا إلى الأبد. فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التي أخذ منها. فطرد الإنسان، وأقام شرقيَّ جنة عدن الكروبيمَ، ولهيبَ سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة" (التكوين ٢/ ١٧ - ٣/ ٢٣)، ومثل هذا التصور عن الله غير مقبول، فالسفر يصوره حريصًا على جهل الإنسان، خائفًا من تعلمه ثم من خلوده إذا فاجأه وأكل من شجرة الحياة.
[ ٩٤ ]
ومرة أخرى تذكر التوراة أن الله خاف من اجتماع البشر وتآلفهم وعزمهم على بناء برج عظيم رأسه في السماء، فنزل وبددهم قبل أن يحققوا غايتهم "قالوا: هلم نبنِ لأنفسنا مدينة وبرجًا رأسه بالسماء. ونصنع لأنفسنا اسمًا، لئلا نتبدد على وجه كل الأرض، فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذَيْن كان بنو آدم يبنونهما. وقال الرب: هوذا شعب واحد، ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل، والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه. هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم، حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض. فبددهم الرب من هناك على وجه كل الأرض. فكفّوا عن بنيان المدينة" (التكوين ١١/ ٤ - ٨)، فهل يعقل أن خالق السماوات والأرض، الرب العظيم يخشى من تمام هذا البرج، فيسعى لتفريق البشر قبل أن يصل برجهم السماء، وهنا نتساءل عن الطول الذي كان سيصل إليه بناء البشر قبل آلاف السنين، بل نتساءل: أوَلا يعلم الرب أن البشر يعجزون عن مناطحة السحاب فضلًا عن قرع أبواب السماء!
ومثله في العجز والنقص المنسوب إلى الله العظيم ما تذكره التوراة من أن الرب بعد ما أغرق الأرض بالطوفان زمن نوح قال لنوح ومن معه: "أقيم ميثاقي معكم فلا ينقرض كل ذي جسد أيضًا بمياه الطوفان وضعت قوسي في السحاب، فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض فمتى كانت القوس في السحاب أبصرها لأذكر ميثاقًا أبديًا " (التكوين ٩/ ١١ - ١٧)، فجعل قوس قزح علامة تذكره بالميثاق الذي ضربه لنوح ومن معه.
وكما يفيد البشر من مشورة بعضهم لقصورهم عن إدراك عواقب الأمور، أيضًا تذكر التوراة أن الرب شاور الملكين اللذين رافقاه في ذهابه إلى إبراهيم ثم لوط " فقال الرب: هل أخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله؟ " أي في قوم لوط.
ثم ما كان منه إلا أن قال: " أنزل وأرى هل فعلوا بالتمام حسب صراخهم الآتي
[ ٩٥ ]
إلي، وإلا فأعلم " (أي ما أصنع بهم) (التكوين ١٨/ ١٧ - ٢١).
وتنسب التوراة إلى الله الندم على أمور صنعها، والندم فرع عن الجهل، ومن ذلك " ندمت على أني جعلت شاول ملكًا، لأنه رجع من ورائي، ولم يقم كلامي " (صموئيل (١) ١٥/ ١٠).
وتذكر التوراة أنه لما عبد بنو إسرائيل العجل غضب الرب عليهم " وقال الرب لموسى .. فالآن اتركني ليحمى غضبي عليهم وأفنيهم "، فكان من جواب موسى أن قال: " ارجع عن حمو غضبك، واندم على الشر بشعبك. اذكر إبراهيم وإسحاق وإسرائيل عبيدك الذين حلفت لهم بنفسك، وقلت لهم: أكثر نسلكم كنجوم السماء، وأعطي نسلكم كل هذه الأرض التي تكلمت عنها فيملكونها إلى الأبد، فندم الرب على الشر الذي قال أنه يفعله بشعبه " (الخروج ٣٢/ ٩ - ١٤).
وفي مرة أخرى " كان الرب مع القاضي، وخلصهم من يد أعدائهم، كل أيام القاضي، لأن الرب ندم من أجل أنينهم " (القضاة ٢/ ١٨).
ومثله ندم الرب بعد أن قتل مقتلة كبيرة في بني إسرائيل، فقد "جعل الرب وبأ في إسرائيل من الصباح إلى الميعاد، فمات من الشعب - من دان إلى بئر سبع - سبعون ألف رجل، وبسط الملاك يده على أورشليم ليهلكها، فندم الرب عن الشر، وقال للملاك المهلِك الشعب: كفى، الآن رد يدك" (صموئيل (٢) ٢٤/ ١٥ - ١٦).
وكانت التوراة قد نسبت قبلُ الندم والحزن إلى الله في زمن نوح، وذلك حين رأى شرور الإنسان، فقد: "رأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم، فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض، وتأسف في قلبه، فقال الرب: لأني حزنت أني عملتهم" (التكوين ٦/ ٥ - ٧) ومثل هذا الندم في الأسفار كثير (انظر إرميا ٢٦/ ١٩، ٤٢/ ١١، عاموس ٧/ ٦، التكوين ١٨/ ٢٠).
[ ٩٦ ]