ويعتقد المسلمون أن ما جاء في يوحنا عن المعزي رئيس هذا العالم الآتي، إنما هو بشارة من المسيح بنبينا - ﷺ -، وذلك يظهر من أمور:
منها أن لفظة " المعزي " لفظة حديثة استبدلتها التراجم الجديدة للعهد الجديد، فيما كانت التراجم العربية القديمة (١٨٢٠م، ١٨٣١م، ١٨٤٤م) تضع الكلمة اليونانية (البارقليط) كما هي، وهو ما تصنعه كثير من التراجم العالمية.
وفي تفسير كلمة " بارقليط " اليوناني نقول: إن هذا اللفظ اليوناني الأصل، لا يخلو من أحد حالين، الأول أنه "باراكلي توس". فيكون حسب قول النصارى بمعنى: المعزي والمعين والوكيل.
والثاني أنه " بيروكلوتوس "، فيكون قريبًا من معنى: محمد وأحمد.
ويقول أسقف بني سويف الأنبا أثناسيوس في تفسيره لإنجيل يوحنا: " إن لفظ بارقليط إذا حرف نطقه قليلًا يصير "بيركليت"، ومعناه: الحمد أو الشكر، وهو
_________________
(١) معجم اللاهوت الكتابي (مادة بارقليط)، وانظر: تفسير إنجيل يوحنا، الأنبا أثناسيوس، ص (٢٠٥).
[ ١٢٧ ]
قريب من لفظ أحمد". (١)
ويسأل عبد الوهاب النجار الدكتور كارلو نيلنو - الحاصل على الدكتوراه في آداب اليهود اليونانية القديمة - عن معنى كلمة " بيركلوتس " فيقول: " الذي له حمد كثير ".
ومما يؤكد خطأ الترجمة أن اللفظة اليونانية (بيركلوتس) اسم لا صفة، فقد كان من عادة اليونانيين زيادة السين في آخر الأسماء، وهو ما لا يصنعونه في الصفات.
ويرى عبد الأحد داود أن تفسير الكنيسة للبارقليط بأنه " شخص يدعى للمساعدة أو شفيع أو محام أو وسيط " غير صحيح، فإن كلمة بارقليط اليونانية لا تفيد أيًا من هذه المعاني، فالمعزي في اليونانية يدعى (باراكالون أو باريجوريتس)، والمحامي تعريب للفظة (سانجرس)، وأما الوسيط أو الشفيع فتستعمل له لفظة " ميديتيا "، وعليه فعزوف الكنيسة عن معنى الحمد إلى أي من هذه المعاني إنما هو نوع من التحريف.
ويوافقه القس الدكتور سمبسون، فيقول: "الاسم المعزي ليس ترجمة دقيقة جدًا" (٢).
ويعترف به معجم اللاهوت الكتابي، حين كتب مؤلفوه: " ومعنى "المعزي" - المشتق على الأرجح من أصل لغوي خاطئ - غير وارد في العهد الجديد". (٣)
ومما سبق يتضح أن ثمة خلافًا بين المسلمين والنصارى في الأصل اليوناني لكلمة " بارقليط " حيث يعتقد المسلمون أن أصلها " بيركلوتوس " وأن ثمة تحريفًا قام به النصارى لإخفاء دلالة الكلمة على اسم النبي - ﷺ - أحمد: الذي له حمد كثير.
_________________
(١) تفسير إنجيل يوحنا، الأنبا أثناسيوس، ص (١١٧).
(٢) الروح القدس أو قوة في الأعالي (٢/ ٢٠٦).
(٣) معجم اللاهوت الكتابي (مادة بارقليط).
[ ١٢٨ ]
ومثل هذا التحريف لا يستغرب وقوعه في كتب القوم، ففيها من الطوام مما يجعل تحريف كلمة " البيرقليط " من السهل الهين.
كما أن وقوع التصحيف والتغير في الأسماء كثير عند الترجمة بين اللغات وفي الطبعات، فاسم "بارباس" في الترجمة البروتستانتية هو في نسخة الكاثوليك " بارابا "، وكذا (المسيا، ماشيح) و(شيلون، شيلوه) وسوى ذلك، وكلمة " البارقليط " مترجمة عن السريانية لغة المسيح الأصلية فلا يبعد أن يقع مثل هذا التحوير حين الترجمة.
ولجلاء التحريف في هذه الفقرة فإن أدوين جونس في كتابه " نشأة الديانة المسيحية " يعترف بأن معنى البارقليط: محمد، لكنه يطمس اعترافه بكذبة وطامّة لا تنطلي على أهل العلم والتحقيق، فيقول بأن المسيحيين أدخلوا هذا الاسم في إنجيل يوحنا جهلًا منهم بعد ظهور الإسلام وتأثرهم بالثقافة الدينية للمسلمين.
وأما المستشرق النمساوي المتعصب لويس سبرنجر (تـ ١٨٩٣م) في كتابه عن سيرة النبي - ﷺ - فيحل المسألة بطريقة - لا ريب أنها - ستدهش القارئ وتثير عجبه، فيزعم أن اسم النبي الحقيقي هو قثم، وأن النبي - ﷺ - تسمى باسم محمد في المدينة المنورة، بعد اختلاطه بالنصارى، وقد التقطه من خلال قراءته لنبوءات الأناجيل عن البارقليط (المنحمنا بالسريانية).
وقد أيده عدد من المستشرقين منهم المستشرق الفرنسي اليهودي هرتويغ درنبرغ Hartwig Derenbourg (تـ ١٩٠٨م)، والمستشرق الألماني المتعصب ثيودور نولدكه (تـ ١٩٣٠م) صاحب كتاب "تاريخ القرآن"، والمستشرق الإيطالي الأمير ليون كايتاني في كتابه الشهير حوليات الإسلام (nnalli dell' Islam) . (١)
_________________
(١) انظر تاريخ العرب في الإسلام، جواد علي، ص (٩٧ - ٩٨).
[ ١٢٩ ]