وها هي المزامير تبشر بالنبي الخاتم، ويصفه أحد مزاميرها، فيقول مخاطبًا إياه باسم الملك: "فاض قلبي بكلام صالح، متكلم أنا بإنشائي للملك، لساني قلم كاتب ماهر: أنت أبرع جمالًا من بني البشر، انسكبت النعمة على شفتيك، لذلك باركك الله إلى الأبد.
تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار جلالك وبهاءك، وبجلالك اقتحم. اركب من أجل الحق والدعة والبر، فتريك يمينك مخاوف، نُبُلُك المسنونة في قلب أعداء الملك، شعوبٌ تحتك يسقطون. كرسيك يا الله إلى دهر الدهور، قضيب استقامة قضيب ملكك. أحببت البر وأبغضت الإثم.
من أجل ذلك مسحك إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك بنات ملوك بين حظياتك، جعلت الملكة عن يمينك بذهب أوفير.
اسمعي يا بنت وانظري، وأميلي أذنك، انسي شعبك وبيت أبيك، فيشتهي الملك حسنك، لأنه هو سيدك فاسجدي له عوضًا عن آبائك يكون بنوك، تقيمهم رؤساء في كل الأرض، أذكر اسمك في كل دور فدور. من أجل ذلك تحمدك الشعوب إلى الدهر والأبد " (المزمور ٤٥/ ١ - ١٧).
ويسلم النصارى بأن النص نبوءة بالنبي الآتي، ويزعمون أنه عيسى ﵇، فيما يرى المسلمون أن الصفات التي رمزت في النص إنما تعود إلى محمد - ﷺ -، وتمنع أن يكون المعني به عيسى أو غيره من الأنبياء الكرام، ففي النص تسع أوصاف لهذا النبي، وهي:
١) كونه صاحب حسن لا يعدل في البشر " بهي في الحسن أفضل من بني البشر "، ولا يجوز للنصارى القول بأنه المسيح، وهم الذين يقولون: تحققت في المسيح نبوة
[ ٨٩ ]
إشعيا، وفيها أن المتنبئ به "لا صورة له ولا جمال فننظر إليه، ولا منظر فنشتهيه " (إشعيا ٥٢/ ٢)، وهذا المعنى الذي لا نوافقهم عليه (١) أكده علماؤهم اعتمادًا على نص إشعياء السابق، فقال أكليمنس الإسكندراني: "إن جماله كان في روحه وفي أعماله، وأما منظره فكان حقيرًا" (٢) وقال ترتليان: " أما شكله فكان عديم الحسن الجسماني، وبالحري كان بعيدًا عن أي مجد جسدي" (٣) ومثله قال جوستين (٤) وأوريجانوس (٥) وغيرهما.
فمن كان هذا قوله بالمسيح لا يحق له أن يقول بأنه أيضًا:" أبرع جمالًا من بني البشر ".
وقد جاءت الآثار تتحدث عن حسن نبينا وفيض جماله بعد أن كساه الله بلباس النبوة، فلم ير أجمل منه. ففي الأثر الصحيح يقول البراء بن مالك: (كان رسول الله - ﷺ - أحسن الناس وجهًا، وأحسنه خَلْقًا، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير). (٦)
٢) أن النبوة وكلامها يخرج من شفتيه "انسكبت النعمة على شفتيك"، فقد كان أميًا، ووحيه غير مكتوب، فيما كانت لإبراهيم وموسى صحفًا، كما كان عيسى قارئًا. (انظر لوقا ٤/ ١٦).
وقد جاءت نصوص كتابية عدة تؤكد أمية النبي القادم منها ما سبق في سفر
_________________
(١) لا يبعث الله نبيًا إلا غاية في الحسن، فذلك أدعى لتصديقهم وعدم عيبهم بخلقهم، وقد وصف رسول الله عيسى ﵇ خصوصًا بأنه كان غاية في الحسن، فقد رآه في رؤيا عند الكعبة «فرأيت رجلًا آدم كأحسن ما أنت راء من آدم الرجال، له لمّة كأحسن ما أنت راء من اللمم، قد رجلها، فهي تقطر ماءً فسألت: من هذا؟ فقيل: هذا هو المسيح بن مريم». رواه مسلم ح (١٦٩).
(٢) Clement of Alexandria، The instructor ٣. ١.
(٣) Tertullian، Against marcion ٣. ٧ /Tertullian، An Answer to the Jew ١٤.
(٤) Justin، First apology ٥٠.
(٥) Origen، Against Celsus ٦. ٧٥.
(٦) رواه البخاري في صحيحه ح (٣٥٤٩).
[ ٩٠ ]
التثنية " أجعل كلامي في فمه " (التثنية ١٨/ ١٨)، وما جاء في إشعيا " أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف القراءة، فيقال له: اقرأ، فيقول: لا أعرف الكتابة " (إشعيا ٢٩/ ١٢).
وفي غير الترجمة العربية المتداولة " لا أعرف القراءة " وهي تماثل - كما سبق - قول النبي ﷺ في غار حراء: «ما أنا بقارئ».
٣) كونه مبارك إلى الأبد، صاحب رسالة خالدة " باركك الله إلى الأبد كرسيك يا الله إلى دهر الدهور ".
٤) كونه صاحب سيف يقهر به أعداءه لإقامة الحق والعدل " تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار بجلالك اقتحم. من أجل الحق والدعة والبر، فتريك يمينك مخاوف. نُبُلك المسنونة في قلب أعداء الملك، شعوب تحتك يسقطون ".
والمسيح ﵇ لم يحمل سيفًا ولا أسقط أعداءه، ولا صوب نبله في قلوب أعدائه لنشر دعوة الحق، كما لم يكن ملكًا في قومه.
٥) وهذا النبي محب للخير، مبغض للإثم كحال جميع الأنبياء، لكن الله فضله عليهم " مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك ".
٦) يؤتى لهذا النبي بالهدايا لعزه، وبنات الملوك يكن في خدمته أو في نسائه " بنات ملوك بين حظياتك .. بنت صور أغنى الشعوب تترضى وجهك بهدية .. ".
وقد تزوج النبي بصفية بنت حيي بن أخطب سيد قومه، كما أهديت إليه مارية القبطية، وكانت شهربانو بنت يزدجر ملك فارس تحت ابنه الحسين - ﵁ -.
٧) تدين له الأمم بالخضوع، وتدخل الأمم في دينه بفرح وابتهاج " بملابس مطرزة وتحضر إلى الملك، في إثرها عذارى صاحباتها، مقدمات إليك، يحضرن بفرح وابتهاج يدخلن إلى قصر الملك".
[ ٩١ ]
٨) يستبدل قومه بالعز بعد الذل " عوضًا عن آبائك يكون بنوك، تقيمهم رؤساء في كل الأرض".
٩) يكتب له الذكر الحميد سائر الدهر " أذكر اسمك دور فدور، من أجل ذلك تحمدك الشعوب إلى الدهر والأبد " فهو أحمد ومحمد ﷺ.