شغف كتاب الأناجيل بالنبوءات التوراتية، وعمدوا في تكلف ظاهر إلى تحريف معاني الكثير من النصوص التوراتية، ليجعلوا منها نبوءات عن المسيح، إن محبتهم للمسيح أو امتهانهم للتحريف قد جعلهم يخطئون في فهم كثير من النبوءات التي تحدثت عن المسيّا المنتظر.
ومن صور ذلك أنه جاء في المزامير عن النبي القادم "قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك" (المزمور ١١٠/ ١)، وهذه النبوءة بالمسيح المنتظر لا يراد منها المسيح ابن مريم بحال من الأحوال.
وقد أخطأ بطرس - أو من نسبه إلى بطرس - حين فسرها بذلك، فقال: " لأن داود لم يصعد إلى السموات، وهو نفسه يقول: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك، فليعلم يقينًا جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم ربًا ومسيحًا " (أعمال ٢/ ٢٩ - ٣٧).
ودليل الخطأ في فهم بطرس، وكذا فهم النصارى من بعده أن المسيح - ﵇ - أنكر أن يكون هو المسيح الموعود على لسان داود، "فيما كان الفريسيون مجتمعين سألهم يسوع قائلًا: ماذا تظنون في المسيح، ابن من هو؟ قالوا له: ابن داود، قال لهم: فكيف يدعوه داود بالروح ربًا قائلًا: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك؟ فإن كان داود يدعوه ربًا فكيف يكون ابنه؟ فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة، ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأله بتة" (متى ٢٢/ ٤١ - ٤٦) لقد كان جواب المسيح مسكتًا، إن القادم ليس من ذرية داود بدليل أن داود جعله سيده، والأب لا يقول ذلك عن ابنه.
فالمسيح - ﵇ - سأل اليهود عن المسيح المنتظر الذي بشر به داود وغيره من الأنبياء:
[ ١٩ ]
"ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو؟ " فأجابوه: "ابن داود"، فخطأهم وقال: " فإن كان داود يدعوه ربًا، فكيف يكون ابنه! "، فالمسيح القادم ليس من أبناء داود الذي وصفه بقوله: ربي أو سيدي.
ومن المعلوم أن المسيح - حسب متى ولوقا هو من ذرية النبي داود -، وكثيرًا ما نودي "يا ابن داود" (انظر متى١/ ١، ٩/ ٢٧، ولوقا ١٩/ ٣٨)
وفي مرقس أن المسيح - ﵇ - قال: " كيف يقول الكتبة: إن المسيح ابن داود؟ لأن داود نفسه قال بالروح القدس: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك، فداود نفسه يدعوه ربًا، فمن أين هو ابنه؟! " (مرقس ١٢/ ٣٧).
وهو ما ذكره لوقا أيضًا " وقال لهم: كيف يقولون: إن المسيح ابن داود، وداود نفسه يقول في كتاب المزامير: قال الرب لربي: اجلس عن يميني، حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك، فإذا داود يدعوه ربًا فكيف يكون ابنه! " (لوقا ٢٠/ ٤٠ - ٤٤)، ورغم هذا البيان يصر النصارى إلى يومنا هذا أن المسيح عيسى ﵇ هو من بشر به داود في نبوءته مع قولهم بأنه ابن داود!
ونقل بولس (أو بالأحرى الكاتب المجهول للرسالة) في الرسالة إلى العبرانيين بشارة الله لداود بابنه سليمان، وجعلها نبوءة بالمسيح ﵇، فيقول: "كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثًا لكل شيء .. صائرًا أعظم من الملائكة، بمقدار ما ورث اسمًا أفضل منهم، لأنه لمن مِن الملائكة قال قط: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك، وأيضًا أنا أكون له أبًا، وهو يكون لي ابنًا" (عبرانيين ١/ ٥).
وقد اقتبس الكاتب العبارة الواردة في سفر صموئيل الثاني (٧/ ١٤)، وجعلها نبوءة عن المسيح، ففيه: "أنا أكون له أبًا، وهو يكون لي ابنًا " فقد ظن كاتب أن هذه العبارة نبوءة عن المسيح ﵇، فنقلها في رسالته.
[ ٢٠ ]
إلا أن هذا الاقتباس غير صحيح، فالنص جاء في سياق الحديث إلى داود، فقد أمر الله النبي ناثان أن يقول لداود: "فهكذا تقول لعبدي داود متى كملت أيامك واضطجعت مع آبائك أقيم نسلك الذي يخرج من أحشائك، وأثبت مملكته، هو يبني بيتًا لاسمي، وأنا أثبت كرسي مملكته إلى الأبد، أنا أكون له أبًا، وهو يكون لي ابنًا، وإن تعوج أودبه بقضيب الناس وبضربات بني آدم كذلك كلم ناثان داود" (صموئيل (٢) ٧/ ٨ - ١٧).
فالمتنبئ عنه يخرج من أحشاء داود، وليس من أحفاده، وهو يملك على بني إسرائيل بعد اضطجاع داود مع آبائه أي موته، وهو باني بيت الله، وهو متوعد بالعذاب إن مال عن دين الله، وكل هذا قد تحقق في سليمان كما تذكر التوراة.
إن أيًا من تلك المواعيد لم يتحقق في المسيح ﵇، فهو عندهم إله لا يصح أن يتوعد بالعذاب من الله، لأنه لا يخطئ أصلًا، كما أنه لم يبن لله بيتًا، ولم يملك على بني إسرائيل يومًا واحدًا، ولم يثبت كرسي مملكته، لأنه لا مملكة له أصلًا في هذا العالم، كما أخبر هو، فقال: "أجاب يسوع: مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلّم إلى اليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا" (يوحنا ١٨/ ٣٦).
كما وقد جاء في سفر أخبار الأيام الأول أن اسم صاحب النبوءة يكون سليمان، فقد قال لداود: "هوذا يولد لك ابن، يكون صاحب راحة، وأريحه من جميع أعدائه حواليه، لأن اسمه يكون سليمان، فأجعل سلامًا وسكينة في إسرائيل في أيامه، هو يبني بيتًا لاسمي، وهو يكون لي ابنًا، وأنا له أبًا، وأثبت كرسي ملكه على إسرائيل إلى الأبد" (الأيام (١) ٢٢/ ٩).
ومن تحريف الإنجيليين لنبوءات التوراة أو خطئهم في فهمها ما صنعه متى في
[ ٢١ ]
قوله عن المسيح وعودته من مصر إبان طفولته: " كان هناك إلى وفاة هيرودس، لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: من مصر دعوتُ ابني " (متى ٢/ ١٤ - ١٥)، فقد زعم أن ذلك يحقق النبوءة التوراتية التي في سفر هوشع (١١/ ١ - ٢).
لكن النص الذي في هوشع لا علاقة له بالمسيح، فالنص يتحدث عن عودة شعب إسرائيل من مصر مع موسى، والحديث في أصل السياق عن يعقوب، ثم ينتقل للحديث عن أبنائه وعودتهم من مصر ثم عبادتهم للأوثان بعد ذلك وإعراضهم عن دعوات الله لهم، فيقول: " لما كان إسرائيل غلامًا أحببته، ومن مصر دعوت ابني، كلما دعوا ولوا وجوههم، وذبحوا لبعاليم، وقربوا للأصنام" (هوشع ١١/ ١ - ٢).
فالنص لا علاقة له بالمسيح - ﵇ -، فعبادة الأصنام التي يتحدث عنها النص حصلت قبل المسيح، ولا تنطبق على معاصري المسيح، لأن اليهود تابوا عن عبادة الأوثان قبل ميلاد المسيح بقرون، بعدما أطلقوا من أسر بابل، ثم لم يعودوا إليها بعد تلك التوبة كما هو معلوم في كتب التاريخ.
واستخدام هذه الصيغة (ابني) في شعب بني إسرائيل معهود في التوارة، فقد جاء فيها: "عندما تذهب لترجع إلى مصر فتقول لفرعون: هكذا يقول الرب: إسرائيل ابني البكر، قلت لك: أطلق ابني ليعبدني " (الخروج ٤/ ٢١ - ٢٣).
لقد عانى المسيح - ﵇ - طويلًا من سوء فهم التلاميذ لكلامه، وإبان حياته صحح لهم مرارًا الكثير من أخطائهم في فهم النبوءات، بل وسائر الكلام. لقد عجزوا عن فهم البسيط من كلامه، فأنى لهم أن يفهموا النبوءات؟
فذات مرة " أوصاهم قائلًا: انظروا وتحرزوا من خمير الفريسيين وخمير هيرودس، ففكروا قائلين بعضهم لبعض: ليس عندنا خبز. فعلم يسوع، وقال لهم: لماذا تفكرون أن ليس عندكم خبز؟ ألا تشعرون بعد ولا تفهمون؟ أحتى الآن قلوبكم غليظة؟ ألكم
[ ٢٢ ]
أعين ولا تبصرون؟ ولكم آذان ولا تسمعون ولا تذكرون؟ " (مرقس ٨/ ١٥ - ١٨)، كيف لا تفهمون أني ما عنيت الخبز الحقيقي بكلامي؟
وفي مرة أخرى كلمهم، فلم يفهموه " فقال كثيرون من تلاميذه إذ سمعوا: إن هذا الكلام صعب، من يقدر أن يسمعه؟ " (يوحنا ٦/ ٦٠).
لقد كانوا يسيئون فهم البسيط من كلامه، ثم يستنكفون عن سؤاله عما أعجم عليهم، من ذلك ما زعمه مرقس حين قال: "كان يعلّم تلاميذه ويقول لهم: إن ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الناس، فيقتلونه، وبعد أن يقتل يقوم في اليوم الثالث، وأما هم فلم يفهموا القول، وخافوا أن يسألوه" (مرقس ٩/ ٣١ - ٣٢).
ويمتد سوء الفهم وغلظة الذهن في فهم كلام الناموس حتى إلى أولئك المتعلمين والصفوة من بني إسرائيل، فها هو نيقوديموس يسيء فهم كلام المسيح - ﵇ - حين قال له: " الحق الحق أقول لك، إن كان أحد لا يولد من فوق، لا يقدر أن يرى ملكوت الله. قال له نيقوديموس: كيف يمكن الإنسان أن يولد وهو شيخ؟ ألعله يقدر أن يدخل بطن أمه ثانية ويولد؟ .. أجاب يسوع وقال له: أنت معلّم إسرائيل ولست تعلم هذا! " (يوحنا ٣/ ٣ - ١٠)، لم يفهم معنى الولادة الروحية الجديدة وظن أن الولادة من فوق تقتضي أن يدخل الرجل مرة أخرى في بطن أمه!
فلئن كان هذا حال معلم إسرائيل فماذا عساه يكون حال متى العشار أو يوحنا صياد السمك وبطرس، وهما تلميذان عاميان عديما العلم، كما شهد بذلك سفر أعمال الرسل " فلما رأوا مجاهرة بطرس ويوحنا، ووجدوا أنهما إنسانان عديما العلم وعاميان تعجبوا " (أعمال ٤/ ١٣)، فإن تلاميذ المسيح جهال العالم كما أخبر بولس عن المسيح "يختار جهال العالم ليخزي الحكماء" (كورنثوس (١) ١/ ٢٧).
وكثير من كلام المسيح - ﵇ - وأفعاله لم يفهم التلاميذ - إبان حياة المسيح - صلته
[ ٢٣ ]
بالنبوءات التوراتية، ثم ظنوا بعد رفعه أنه كان نبوءات عن المسيح "ووجد يسوع جحشًا، فجلس عليه كما هو مكتوب: لا تخافي يا ابنة صهيون، هوذا ملكك يأتي جالسًا على جحش أتان، وهذه الأمور لم يفهمها تلاميذه أولًا، ولكن لما تمجد يسوع حينئذ تذكروا أن هذه كانت مكتوبة عنه، وأنهم صنعوا هذه له" (يوحنا ١٢/ ١٤ - ١٦). (١)
فقد غلب على كثير من بني إسرائيل لفرط شوقهم إلى المخلص الغالب المظفر، غلب على ظنهم أنه المسيح عيسى ﵇، "فكثيرون من الجمع لما سمعوا هذا الكلام قالوا: هذا بالحقيقة هو النبي، آخرون قالوا: هذا هو المسيح، وآخرون قالوا: ألعل المسيح من الجليل يأتي؟ ألم يقل الكتاب: إنه من نسل داود ومن بيت لحم القرية التي كان داود فيها يأتي المسيح؟ " (يوحنا ٧/ ٣٨ - ٤١).
فالجموع أيضًا على اختلاف ثقافاتها كانت تحاول البحث عن الخلاص من خلال المسيح ﵇ "أما أنت يا بيت لحم أفراتة وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لي، الذي يكون متسلطًا على إسرائيل، ومخارجه منذ القديم، منذ أيام الأزل، لذلك يسلّمهم إلي حينما تكون قد ولدت والدة، ثم ترجع بقية إخوته إلى بني إسرائيل، ويقف ويرعى بقدرة الرب بعظمة اسم الرب إلهه ويثبتون، لأنه الآن يتعظم إلى أقاصي الأرض، ويكون هذا سلامًا، إذا دخل أشور في أرضنا، وإذا داس في قصورنا نقيم عليه سبعة رعاة وثمانية من أمراء الناس، فيرعون أرض أشور بالسيف وأرض نمرود في أبوابها، فينقذ من أشور إذا دخل أرضنا وإذا داس تخومنا" (ميخا ٥/ ٢ - ٦).
ومن المعلوم أن المسيح - ﵇ - لم يحقق هذه النبوءة التي كانوا يريدون، فقد كانوا يبحثون عمن يملك عليهم وينتقم ويخلص شعبه من الأشوريين، ويحل السلام في
_________________
(١) لرؤية المزيد من صور عدم فهم التلاميذ لكلام المسيح على بساطته ووضوحه. انظر (متى ١٥/ ١٦، يوحنا ٨/ ٢٧، ١٠/ ٦).
[ ٢٤ ]
ربوع اليهود.
يقول بري عن المسيح ﵇- فيما نقله عنه أحمد شلبي -: واستطاع بفصاحته أن يجذب له كثيرًا من أتباعه (الذين هم في الأصل يهودًا ينتظرون المسيح)، وهم منحوه هذا اللقب.
لقد منحوه من عندياتهم ما لم يقله، كما سيمر معنا في حينه.
[ ٢٥ ]