تطلق الأسفار المقدسة على النبي القادم أسماء شتى، فتسميه تارة الملك، وأخرى النبي، وتارة تلقبه بالمسِيّا وأخرى بالمسيح، بمعنى المخلص، فكل هذه الأسماء مترادفات تدل على النبي القادم، وهي في ذات الوقت أوصاف لهذا النبي العظيم.
لكن يبقى تسميته بالمسيح أشهرها لما لهذا اللقب من أهمية عند بني إسرائيل.
وقد يتمسك بعضهم بأحقية عيسى ﵇ بهذا الاسم من غيره، حيث لقب به ﵊، فنقول: إن تسمية عيسى ﵇ بالمسيح تسمية اصطلاحية ليست خاصة به، حيث كان اليهود يسمون أنبياءهم وملوكهم، بل وملوك غيرهم بهذا الاسم، لعادتهم في مسح ملوكهم وأنبيائهم بالزيت، ثم اعتادوا تسميتهم بالمسيح، ولو لم يمسحوا.
وقد سمي كورش ملك فارس مسيحًا " يقول الرب لمسيحه لكورش " (إشعيا ٤٥/ ١).
وكذا داود كانا مسيحًا "والصانع رحمة لمسيحه لداود" (المزمور ١٨/ ٥٠).
وشاول الملك سمي مسيحًا، إذ لما أراد أبيشاي قتل شاول وهو نائم نهاه داود " فقال داود لأبيشاي: لا تهلكه فمن الذي يمد يده إلى مسيح الرب ويتبرّأ" (صموئيل (١) ٢٦/ ٧ - ٩).
وكذلك جاء في سفر المزامير "لا تمسوا مسحائي، ولا تسيئوا إلى أنبيائي" (المزمور ١٠٥/ ١٥). وانظر حديث سفر الملوك عن الكهنة المسحاء. (انظر الملوك (٢) ١/ ١٠).
فهذا اللقب الشريف ليس خاصًا بالمسيح عيسى ابن مريم عليه صلوات الله وسلامه، بل هو لقب يستحقه النبي القادم لما يؤتيه الله من الملك والظفر والبركة التي
[ ٩ ]
فاقت بركة الممسوحين بالزيت من ملوك بني إسرائيل.
والمسيح لقب للنبي القادم الذي كانت تنتظره بنو إسرائيل، لذا تساءل اليهود لما رأوا يوحنا المعمدان إن كان هو المسيح القادم " فاعترف ولم ينكر، وأقر: إني لست المسيح. فسألوه إذًا ماذا؟ إيّليا أنت؟ " (يوحنا ١/ ٢١ - ٢٢).
كما استخدم هذا الاسم جموعُ اليهود حين رأوا معجزات عيسى ﵇، فقالوا: " ألعل المسيح (أي القادم) متى جاء يعمل آيات أكثر من هذه التي عملها هذا! " (يوحنا ٧/ ٣٠ - ٣١).
كما يطلق على النبي القادم المسِيّا، وهو لقب مرادف للفظة المسيح، فقد جاء في بيان ذلك في إنجيل يوحنا " مسِيّا الذي تفسيره: المسيح " (يوحنا ١/ ٤١)، فالكلمة السريانية: "ماشيح "، تنطق في اللغات التي ليس فيها حرف الحاء: "المسيّا".
ولعل البعض يهتف مطالبًا بالكشف عن النص الصريح الذي يبشر بمحمد - ﷺ -، ويبين بجلاء اسمه وصفته التي لا ينازعه فيها أحد، وحُق له ذلك، لكن يحول دون تحقيقه أمران متعلقان بالكتاب المقدس وتراجمه، وهما لا يعزبان عن فهم المتضلعين في كتب القوم المقدسة، الذين يدركون السبب الذي أضاع أو أغمض كثيرًا من البشارات الكتابية.
أولهما: أن لأهل الكتاب عادة في ترجمة الأسماء إلى معانيها، فيوردون في الترجمة المعنى دون الاسم، وقد يزيدون تفسيرًا للعبارة، ويقحمونه في النص.
ولكم ضاع بسبب هذا الصنيع من دلالات واضحات، منها نبوءة المسيح عن البارقليط، والذي تسميه التراجم الحديثة: المعزي، ومنها بشارة النبي حجي بمقدم (محماد) التي ترجمها المترجمون بمشتهى، فضاعت الكثير من دلالات قول النبي حجي: "ويأتي مشتهى كل الأمم" (حجي ٢/ ٧).
[ ١٠ ]
ونحوه ما جاء في المزامير (٨٤/ ٦) عندما ذكرت المزامير اسم مدينة المسيح القادم، أسمتها: وادي بكة [؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟]، وتقرأ: (بعيمق هبكا)، فترجمها المترجمون إلى العربية إلى وادي البكاء، وترجمتها نسخة الرهبانية اليسوعية إلى "وادي البَلَسان"؛ لتضيع دلالتها على كل عربي يعرف أن بكة هي بلد محمد - ﷺ - ﴿إن أول بيتٍ وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدًى للعالمين﴾ (آل عمران: ٩٦).
وضرب رحمة الله الهندي في كتابه الماتع "إظهار الحق" لهذا الصنيع من المترجمين ثلاثة عشر مثالًا قارن فيها بين طبعات مختلفة للكتاب المقدس، ليقف منها على أثر هذا الصنيع في ضياع دلالات النصوص، منها:
أنه جاء في الطبعة العربية (١٨١١م) " سمى إبراهيم اسم الموضع: مكان يرحم الله زائره " (انظر التكوين ٢٢/ ١٤) فاسم المكان العبراني أبدله المترجم بمعناه، وفي طبعة (١٨٤٤م) العربية قال: " دعا اسم ذلك الموضع:" الرب يرى"، وبذلك ضاع الاسم الصحيح، واختلفت المعاني، ومثله كثير .. ثم يقول رحمة الله الهندي: " فهؤلاء المترجمون لو بدلوا في البشارات المحمدية لفظ رسول الله بلفظ آخر، فلا استبعاد منهم ".
وفي هذا الصدد نقل العلامة رحمة الله الهندي أيضًا عن حيدر القرشي صاحب كتاب " خلاصة سيف المسلمين " قوله: " إن القسيس أوسكان الأرمني ترجم كتاب إشعياء باللسان الأرمني في سنة ألف وستمائة وست وستين، وطبعت هذه الترجمة في سنة ألف وسبعمائة وثلاث وثلاثين في مطبعة أنتوني بورتولي، ويوجد في هذه الترجمة في الباب الثاني والأربعين هذه الفقرة: " سبحوا الله تسبيحًا جديدًا، وأثر سلطنته على ظهره، واسمه أحمد " (إشعيا ٤٢/ ١٠ - ١١). (١)
_________________
(١) انظر: إظهار الحق، رحمة الله الهندي (٤/ ١٠٩٧ - ١١٠٧)، (٤/ ١٢٠٨ - ١٢٠٩).
[ ١١ ]
ثانيهما: الكتاب المقدس كثير الاستعارات، تكثر فيه الرموز والإشارات خاصة فيما يتعلق بالمستقبل، يقول الدكتور سمعان كهلون في كتابه " مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين ": "وأما اصطلاح الكتاب المقدس فإنه ذو استعارات وافرة غامضة وخاصة العهد العتيق ".
ويقول أيضًا: " واصطلاح العهد الجديد أيضًا هو استعاري جدًا، وخاصة مسامرات مخلصنا، وقد اشتهرت آراء كثيرة فاسدة لكون بعض معلمي النصارى شرحوها شرحًا حرفيًا ". (١)
لذا ينبغي أن يدرك القارئ المشاق التي سنعانيها ونحن نبحث عن الكلمة الأصلية أو الاسم الذي أضاعه المترجمون، كما سيدرك القارئ - بثاقب فكره - طبيعة الكتاب المقدس في التعبير عن الحقائق عن طريق الاستعارة والإلغاز.
هذه الصعوبة لن يشعر بها أولئك الذين يتفاخرون بأن كتابهم قد حوى الكثير من النبوءات التي تحققت فيما بعد كقيام الاتحاد السوفيتي وإسرائيل وحتى شخص كسينجر، وذلك كله عن طريق الإلغاز أو بحساب الجمّل أو سوى ذلك، ويقولون أيضًا بورود مئات النبوءات التي تشير إلى السيد المسيح، فإن النصارى يرون أن في العهد القديم ألف نبوءة عن المسيح.
وهنا نتساءل هل من المعقول أن يخلو الكتاب المقدس من نبوءة عن ذلك الرجل الذي غيّر مسار التاريخ باسم الله، أما كان ينبغي أن يكون له في هذه النبوءات نصيب، ولو نبوءة واحدة تحذر من حاله ودعوته أو تبشر بها؟!
والإجابة عن هذا السؤال صمت مطبق من أولئك الذين يدعون أنهم الوحيدون
_________________
(١) انظر: إظهار الحق، رحمة الله الهندي (٢/ ٧٠٢ - ٧٠٣).
[ ١٢ ]
المؤهلون لحل ألغاز ورموز هذا الكتاب واستخراج نبوءاته وفهم مراميه.
لكن ظهور كلمة النبي - ﷺ - ودينه، يعتبر المفتاح الذي نلج به إلى نبوءات العهد القديم والجديد، ففي طيات أسفار التوارة نبوءة وميزان يكشف الدعي الكاذب، ويجليه بوصفه وحاله، يقول سفر التثنية " وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلامًا لم أوصه فيموت ذلك النبي فلا تخف منه" (التثنية ١٨/ ٢٠ - ٢٢).
وقد قال غملائيل الفريسي كلمة حق: "والآن أقول لكم: تنحوا عن هؤلاء الناس واتركوهم، لأنه إن كان هذا الرأي أو هذا العمل من الناس فسوف ينتقض، وإن كان من الله فلا تقدرون أن تنقضوه، لئلا توجدوا محاربين لله أيضًا " (أعمال ٥/ ٣٨ - ٣٩)، ودعوة نبينا لم تنتقض، بل ملأت الخافقين، وسادت الدنيا قرونًا طوالًا.
فسلامته - ﷺ - من القتل، وانتصاره على عدوه، وانتشار دعوته ودينه، دليل وبرهان على صدقه ورسالته " الرب يعلم طريق الأبرار، أما طريق الأشرار فتهلك" (المزمور ١/ ٦).
وكذا قال: "وتهلك كل الذين يتكلمون بالكذب، رجل الدماء والغش يكرهه الرب" (المزمور ٥/ ٦)، لأن "المستقيمين يسكنون الأرض، والكاملين يبقون فيها، أما الأشرار فينقرضون من الأرض، والغادرون يستأصلون منها" (الأمثال ٢/ ٢١ - ٢٢).
لقد دلت هذه النصوص على صدق رسول الله - ﷺ - في نبوته ورسالته، لسلامته من الأذى وتمام أمره ودينه وانتشار دعوته في العالمين.
[ ١٣ ]