الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسل الله أجمعين، عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وبعد:
لا ريب أن نبوة نبينا محمد - ﷺ - أحد أهم مسألتين يحملهما المسلم إلى العالمين.
فالمسلمون يرون في إثبات نبوته - ﷺ - تمام الأصل الأول من أصول دينهم، لذا كان لزامًا عليهم أن يدفعوا بحجتهم وبرهانهم في إثبات نبوته ﵊.
والحق أن طرق إثبات نبوته - ﷺ - كثيرة ومتنوعة، ومن أهم هذه الطرق: البشارات التي صدرت عن الأنبياء السابقين، وهي تبشر بمقدم نبي خاتم يؤسس دين الله الذي ارتضاه إلى قيام الساعة دينًا.
وتأتي أهمية هذا الطريق - الذي حرص المسلمون على الاهتمام به - في كونه يقيم الحجة على أهل الكتاب بما يعتقدونه من الكتب التي أشارت إلى مبعث هذا النبي قبل قرون متفاوتة في البعد.
وأهل الكتاب من يهود ونصارى مقرون بوجود هذه البشارات، ومقرون بدلالتها على النبي الخاتم أو النبي العظيم القادم، لكنهم يصرون على أنه رجل من بني إسرائيل، يزعم النصارى أنه عيسى ابن مريم - ﵇ -، بينما ما زال اليهود ينتظرونه، ونهدف هنا إلى إثبات أن هذا النبي المنتظر هو محمد ﷺ، وليس غيره من الأنبياء الكرام.
[ ٥ ]
أما الكتب التي وردت بها هذه البشارات فقد سبق لنا التعريف بحالها، واستشهادنا بها ليس تزكية لها، إنما هو غوص وتنقيب عن القليل من أثارة النبوة في سطورها، هذا القليل نؤمن به ولا نكذبه، إذ هو مصدق لما بين أيدينا، وقد قال - ﷺ - مثبتًا وجود حق في هذه الكتب: «لا تسألوهم عن شيء، فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به ". (١)
فإذا جاء في هذه الكتب ما تشهد له آيات القرآن ونصوص السنة، فهذا شهادة بأن ذا قد سلم من التحريف أو سلم من كثير منه ﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلًا قل كفى بالله شهيدًا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ (الرعد: ٤٣).
وقد حوى الكتاب المقدس - رغم ما تعرض له من العبث والتحريف - الكثير من النبوءات المبشرة بالنبي الخاتم، والتي لم تتحقق، ونتساءل متى ستتحقق، وقد مرّ على مقدم المسيح - ﵇ - زهاء ألفي سنة من غير أن تتحقق هذه النبوءات؟ إن دعوى عدم تحقق هذه النبوءات مع تطاول الأيام يزري بالكتاب المقدس عند قارئيه.
لذا فإننا نوجه دعوة صادقة للتمعن في نبوءات الكتاب وقراءتها قراءة جديدة في ضوء ظهور الإسلام ونبيه، ونحن على ثقة بأن ذلك سيفضي إلى كشف الحقيقة والإيمان بنبوة نبينا محمد - ﷺ -.
ولا نقول ذلك رجمًا بالغيب، بل هي الحقيقة التاريخية التي أعلن عنها كل من تبصر في أمر هذا النبي وأحواله، فقد شهد هرقل ملك الروم برسالته حين جاءه كتاب النبي فأرسل إلى روما يسأل عن خبر النبي الخاتم، فلما جاءه الرد قال لقومه: "يا معشر الروم: إني قد جمعتكم لخير، إنه قد أتاني كتاب من هذا الرجل يدعوني إلى دينه، وإنه
_________________
(١) رواه أحمد في مسنده (٣/ ٣٨٧).
[ ٦ ]
والله للنبي الذي كنا ننتظره، ونحن نجده في كتبنا، فهلموا نتبعه ونصدقه، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا".
وفي رواية البخاري أنه قال: " يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي" فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان. قال: "ردوهم علي"، وقال لهم: "إني قلت مقالتي آنفًا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيتُ" فسجدوا له ورضوا عنه. (١)
ولئن كان هرقل قد نكل عن مقتضيات شهادته فلم يدخل في الإسلام - كحال الكثيرين ممن يعرفون الحق فيصمّون عن اتباعه - فإن النجاشي ملك الحبشة قد آمن بالنبي - ﷺ -، وقال لأحبار مملكته: "يا معشر القسيسين والرهبان، ما يزيد ما يقول هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه، مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، والذي بشّر به عيسى ابن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه". (٢)
وأكد سطوع البشارة به - ﷺ - في كتب أهل الكتاب إسلام العشرات المعتبرين من أهل الكتاب كالحسن بن أيوب والترجمان وزيادة النصب الراسي والقس عبد الأحد داود، وإبراهيم خليل، وموريس بوكاي وغيرهم كثير
ولسوف نسمي النبي القادم المبشر به في كثير من المواضع في بحثنا بالنبي المنتظر، أو المسيح المنتظر متابعة للأستاذ الدكتور أحمد حجازي السقا صاحب السبق في معالجة
_________________
(١) رواه البخاري ح (٧).
(٢) رواه أبو داود ح (٣٢٠٥)، وابن أبي شيبة (١٤/ ٣٤٦).
[ ٧ ]
هذا الموضوع، وجريًا على المصطلح الذي درج اليهود على استعماله، للدلالة على هذا النبي الموعود.
واللهَ أسأل أن يشرح صدورنا لمعرفة هذا النبي، وأن يرزقنا الإيمان به، وأن يحشرنا يوم القيامة في لوائه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. د. منقذ بن محمود السقار
مكة المكرمة - محرم - ١٤٢٥هـ mongiz@maktoob.com
[ ٨ ]