رأينا أن المسيح ﵇ لم يدع أنه النبي المنتظر، فهل أخبر محمد - ﷺ - أنه ذلك النبي الموعود، الذي بشرت به الأنبياء؟
إن وجود البشارة بالنبي - ﷺ - في كتب الأنبياء من أهم ما أكدت عليه النصوص القرآنية والنبوية، التي أخبرت أنه ما من نبي إلا وذكّر أمته بأمر هذا النبي، وأخذ عليهم في ذلك الميثاق لئن بعث محمد - ﷺ - ليؤمنن به، قال تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾ (آل عمران: ٨١) وقال علي ﵁: (ما بعث الله نبيًا آدم فمن دونه إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمد - ﷺ - وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وليتبعنه). (١).
ومن هؤلاء الأنبياء المبشرين بالنبي القادم النبي إبراهيم ﵇، حيث دعا ﴿ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم﴾ (البقرة: ١٢٩).
ومنهم عيسى ﵇ ﴿وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ (الصف: ٦).
وقد قال - ﷺ -: «إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٣/ ٣٣٢).
[ ٣٧ ]
بأول أمري: أنا دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج منها نور ساطع أضاءت منه قصور الشام». (١)
ولما كان اهتمام الأنبياء بالنبي الخاتم بالغًا كان من الطبيعي أن تتحدث كتبهم عنه وعن صفاته وأحواله.
وقد أكد القرآن الكريم على وجود البشارة بنبينا في كتب اليهود والنصارى فقال: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ (الأعراف: ١٥٧).
وقال الله تعالى مخبرًا وجود النبوءات عن النبي محمد - ﷺ - وعن أمته وأصحابه في التوراة والإنجيل: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرًا عظيمًا﴾ (الفتح: ٢٩)
ولم يخبر القرآن الكريم- بالتفاصيل - عن صفات رسول الله وأحواله المذكورة في كتب أهل الكتاب، لكنه أخبر عن حقيقة مهمة، وهي أن أهل الكتاب يعرفون رسول الله - ﷺ - معرفتهم أبناءهم، لكثرة ما حدثتهم الأنبياء والكتب عنه - ﷺ - ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾ (الأنعام:٢٠)
_________________
(١) رواه أحمد في المسند ح (١٦٧١٢)، وابن حبان في صحيحه ح (٦٤٠٤).
[ ٣٨ ]
وهذه المعرفة ولا ريب تصدر عن كثرة أو وضوح البشارات الواردة في كتبهم عنه ﵊.
وسنحاول خلال الصفحات القادمة تلمس بعض هذه النبوءات، راجين أن نوفق في إزالة الكثير مما أصابها من غبار التحريف، محترزين عن الكثير من سوء الفهم الذي وقع فيه النصارى في فهم هذه النبوءات.
[ ٣٩ ]