المبحث الرابع: بيان وسطية قول أهل السنة في هذا الباب
مما تقدم من عرض لأقوال الثلاث في هذا الباب، يتضح لنا أن مذهب أهل السنة وسط بين النفاة المعطلة وبين المشبهة الممثلة.
وفي هذا المبحث سنذكر بعض أقوال أهل العلم من السلف الذين أشراوا إلى وسطية أهل السنة في هذا الباب، ثم نشير إلى صور من وسطيتهم من خلال قولهم وأقوال الفرق الأخرى في نماذج مختارة من الصفات.
أولًا: أقوال بعض السلف في وسطية قول أهل السنة في صفات الله تعالى
١- قول: الخطيب البغدادي:
قال ﵀: "أما الكلام في الصفات فإن ما روي منها في السنن الصحاح مذهب السلف إثباتها، وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية، والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي فيه والمقصر عنه"١.
٢- وممن أشار إلى وسطيتهم في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع من كتبه؛ فقال في "الوصية الكبرى": "فهم -أي: أهل السنة- في باب أسماء الله وصفاته وسط بين أهل التعطيل الذين يلحدون في أسماء الله وآياته ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه، حتى شبهوه بالعدم والموات، وبين أهل
_________________
(١) ١ رسالة الخطيب في الكلام على الصفات، ص ١٩.
[ ٣٢٤ ]
التمثيل الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات.
فيؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف وتمثيل"١.
وقال: "ومذهب السلف بين مذهبين، وهدى بين ضلالتين إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات؛ فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد على أهل التشبيه والتمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد على أهل النفي والتعطيل.
فالممثل أعشى، والمعطل أعمى، الممثل يعبد صنمًا، والمعطل يعبد عدمًا"٢
٣- وممن أشار إلى وسطية قولهم من فضلاء أهل السنة المعاصرين الشيخ عبد المحسن العباد في شرحه لحديث: "يضحك الله لرجلين" في كتابه وعشرون حديثًا من صحيح مسلم، بعد أن ذكر القول الواجب في الصفات وذكر قول اهل التعطيل والتأويل وقول أهل التشبيه والتمثيل. قال: "والحق وسط بين الإفراط والتفريط وسط بين الذين أثبتوا الصفات وأفرطوا إذ شبهوا الله بخقله، وبين الذين فرطوا فنفوا الصفات، أو تأولوها بقصد تنزيه الله عن مشابهة الخلق".
والمذهب الحق وسط بين الطرفين ففيه الإثبات؛ فلا نفي ولا تأويل، وفيه التنزيه فلا تشبيه ولا تمثيل، وكل من المشبهة والنفاة جمعوا بين إساءة وإحسان.
فالمشبهة: أحسنوا؛ إذ أثبتوا فلم ينفوا الصفات، وأساؤا إذا شبهوا ومثلوا.
والنفاة: أحسنوا إذ نزهوا الله عن مشابهة خلقه، وأساءوا إذ نفوا عنه الله
_________________
(١) ١ انظر: الوصية الكبرى ١٥. ٢ انظر: الفتاوى ٥/ ١٩٦، وانظر أقواله الأخرى في: منهاج السنة ٣/ ٤٦٨ و٥/ ١٧٢، والصفدية ٢/ ٣١٣- ٣١٤، الواسطية ص ١٠٧.
[ ٣٢٥ ]
ما أثبته لنفسه.
وأهل السنة والجماعة جمعوا بين المحسنيين وسلموا من الإساءتين؛ فالإحسان الذي عند الطرفين عندهم، وليس عندهم ما عند كل من الإساءة، وذلك أنهم أثبتوا ما أثبت في الكتاب والسنة ما لصفات، ونزهوا الله عن مشابهة خلقه كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾؛ فأول الآية تنزيه، وآخرها إثبات.
فمثل هذا المذهب الحق بالنسبة إلى الطرفين المتقابلني كاللبن السائغ الخالص السائغ للشاربين الذي يخرج من فرث ودم"١.
هذه بعض أقوال الأئمة في وسطية قول أهل السنة في باب أسماء الله وصفاته، في عصور متفاوتة، وللائمة إلى ذلك إشارات وتهبيهات كثيرة إلى هذه الوسطية، وما ذكرت كاف ودال على أمثاله.
_________________
(١) ١ انظر: عشرون حديثًا من صحيح مسلم ١٧٧- ١٧٨، "ط. الأولى ١٣٩١ بالقاهرة".
[ ٣٢٦ ]