عرفنا مما تقدم أن أمة يهود، أمة غلب عليها طابع، التفريط، والتقصير في هذا الباب؛ بل هو الغالب عليهم في أكثر الأبواب.
ولعل من أبرز مظاهر تفريطهم وتقصيرهم في هذا الباب أمرين:
الأول: اتخاذهم الأنداد لله ﷿، وعبادة الأصنام.
والثاني: إغراقهم في تشبيه الخالق بالمخلوق، ووصف الله ﷿ بالنقائض التي لا تليق إلا بالمخلوق.
فأما الأمر الأول: وهو اتخاذهم الأنداد وعبادة الأصنام:
فإن القوم، لما أنقذهم الله من عدوهم وجنوده، وجاوز بهم البحر مع موسى ﵇، وأغرق عدوهم على مشهد منهم، ومروا على قوم
[ ٢٤٤ ]
يعكفون على أصنام لهم. مالت نفوسهم إلى الوثنية وطالبوا موسى ﵇ أن يجعل لهم مثلها. يقول الله جل وعلا في ذلك: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ١، ثم بين لهم موسى ﵇ ضلال أولئك وبطلان عملهم، وأن الإله الحق هو الله الذي فضلهم على العالمين؛ فقال: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٢.
اتخاذهم العجل في زمن موسى:
لم يلق نصح موسى ﵇ وتذكيره ووعظه من القوم قلبًا واعيًا وأذنًا صاغية؛ فما إن تركهم ﵇ وذهب إلى ربه يناجيه، حتى اتخذوا العجل من بعده إلهًا من دون الله قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ ٣. ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ ٤.
ثم بين تعالى من تولى كبر إضلالهم وصناعة العجل لهم؛ فقال: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ ٥.
فبين تعالى أن الذي عمل لهم العجل هو السامري. ومن العجيب أن
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية ١٣٨. ٢ سورة الأعراف آية ١٣٩-١٤٠. ٣ سورة الأعراف آية ١٤٨. ٤ سورة البقرة آية ٥١. ٥ سورة طه الآيات من ٨٥-٨٨.
[ ٢٤٥ ]
كتاب العهد القديم ينسب هذا العمل الشنيع إلى هارون ﵇ كما جاء في "سفر الخروج"١ كما سيأتي الكلام على ذلك في المبحث الثاني إن شاء الله٢.
ولقد تكرر من القوم اتخاذ الأصنام وعبادتها بعد موسى ﵇. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأهل الكتاب معترفون بأن اليهود عبدوا الأصنام مرات"٣.
وفي كتاب العهد القديم إشارات كثيرة لعبادتهم الأوثان والأصنام، من ذلك:
١- ما جاء في "سفر الملوك الثاني" عن عودتهم لعبادة العجل في عهد رحبعام٤. يقول السفر: "وعمل عجلي ذهب، وقال لهم: كثير عليكم أن تصعدوا إلى أورشليم هو ذا ألهتك يا إسرائيل الذين أصعدوك من أرض مصر ووضع واحدًا في بيت أيل، وجعل الآخر في دان"٥.
٢- عبادتهم الأفعى وبعض التماثيل:
يذكر "سفر الملوك الثاني" عن الملك حزقيال أنه: "أزال المرتفعات وكسر التماثيل وقطع السواري وسحق حية النحاس التي عملها موسى؛ لأن بني إسرائيل كانوا إلى تلك الأيام يوقدون لها"٦.
_________________
(١) ١ انظر: العهد القديم، سفر الخروج إصحاح ٣٢ فقرة ١- ٦. ٢ انظر: ص٢٦٣. ٣ الجواب الصحيح ٣/ ٢٤٧. ٤ وهو: رحبعام بن سليمان ﵇. ملك بعد أبيه. انظر: سفر الملوك الأول إصحاح ١١ فقرة ٤٣، وانظر: محمد عزة دروزه، تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم، "ط ١٣٨٩ هـ. نشر: المكتبة العصرية -بيروت"، ص١٧٧. ٥ سفر الملوك الأول، إصحاح ١٢ فقرة ٢٨- ٢٩. ٦ إصحاح ١٨ فقرة ٤.
[ ٢٤٦ ]
على أن موسى ﵇ لم يعمل تمثالًا نحاسيًا للحية؛ وإنما كانت عصاه تنقلب إلى حية تسعى معجزة له، ثم تعود سيرتها الأولى بعد ذلك عصا يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه؛ لكن لعل بني إسرائيل عملوا ذلك ونسبوه إلى موسى ﵇ لتروج عند الناس ويعظموها ويعبدوها. والله تعالى أعلم.
وأما الأمر الثاني: وهو قولهم بالتشبيه ووصف الخالق بصفات المخلوق:
وهذا أمر مشهور عنهم، حتى عده الشهرستاني١ من طباعهم الملازمة لهم؛ فإن القوم أسرفوا في تشبيه الله ﷿ بالمخلوق، ووصفوه جلا وعلا بالنقائص التي تختص بالمخلوق.
ولقد سجل القرآن الكريم عليهم صورًا من ذلك. وكتابهم الذي بين أيديهم ينضح بالكثير من ذلك. ونحن نذكر يما يلي نماذج من أقوالهم التي شبهوا فيها الخالق ﷿ بخلقه:
١- فمن ذلك: "وصفهم الله بالفقر".
وهو صفة لا تليق بخالق البشر؛ ولكن القوم لا عقول لهم ولا حياء عندهم. يقول ﷿ في ذلك: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ ٢.
٢- ومن ذلك: "وصفهم له بأن يده مغلولة".
قال ﷿ ذاكرًا قولهم هذا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ انظر: الملل والنحل ١/ ١٠٦. ٢ سورة آل عمران: آية ١٨١. ٣ سورة المائدة: آية ٦٤.
[ ٢٤٧ ]
٣- وصفوه بأنه: "يحزن، ويندم على أفعاله"، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
يصفه "سفر التكوين" بذلك فيقول: "ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه؛ إنما هو شريب كل يوم فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه؛ فقال الرب: أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته، الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء؛ لأني حزنت أني عملتهم"١.
٤- ووصفوه: "بالتعب والاستراحة" تعالى عن ذلك.
جاء في "سفر الخروج": "أذكر يوم السبت لتقدسه، ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك، لا تصنع عملًا أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك، ونزيلك الذي داخل أبوابك؛ لأن في ستة أيام صنع الرب الأرض والسماء والبحر وكل ما فيها واستراح في اليوم السابع؛ لذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه"٢.
وفي "سفر التكوين": "فأكملت السماوات والأرض وكل جندها وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل"٣.
٥- وقالوا: "بأنه إنسان وأنه صارع يعقوب ﵇ إلى الفجر".
ففي "سفر التكوين": "فبقي يعقوب وحده وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر، ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حق فخذه فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه، وقال: أطلقني؛ لأنه قد طلع الفجر، فقال: لا أطلقك إن لم تباركني فقال له: ما اسمك؟ فقال: يعقوب. لا يدعي اسمك في ما بعد
_________________
(١) ١ إصحاح ٦ فقرة ٥- ٨. ٢ إصحاح ٢٠ فقرة ١- ١٧. ٣ إصحاح ٢ فقرة ١- ٢.
[ ٢٤٨ ]
يعقوب بل إسرائيل؛ لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت فدعا يعقوب اسم المكان فينئيل قائلًا: لأني نظرت الله وجهًا لوجه ونجيت نفسي"١.
٦- وصفوه بما يفيد أنه "لا يعلم الغيب ويحتاج علامات يميز بها بني إسرائيل من غيرهم، فوضع الدم علامة على بيوت بني إسرائيل ليميزها عن بيوت المصريين حتى لا يهلكهم".
ففي "سفر الخروج": "أن الرب كلم موسى ﵇ وقال له فيما قال: فإني أجتاز في أرض مصر هذه الليلة وأضرب كل بكر في أرض مصر من الناس والبهائم، وأصنع أحكامًا بكل آلهة المصريين أنا الرب، ويكون لكم الدم علامة على البيوت التي أنتم فيها فأرى الدم وأعبر عنكم فلا يكون عليكم ضربة للهلاك حين أضرب أرض مصر"٢.
٧- أنهم "جعلوا له أبناء كما أن للمخلوق أبناء".
جاء في "سفر التكوين": "وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهم حسنات فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا"٣.
وحكى الله ﷿ عنهم أنهم جعلوا له ابنًا فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ إصحاح ٣٢ فقرة ٢٤- ٣٠. ٢ سفر الخروج، إصحاح ١٢ فقرة ١٢- ١٣. ٣ إصحاح ٦ فقرة ١- ٢. ٤ سورة التوبة: آية ٣٠.
[ ٢٤٩ ]