لقد كان ليهود من أنبياء الله ورسله مواقف شائنة مخزية، تنبئ عن خبث في الطوية، وفساد في السيرة والسريرة، وإتباع للنفس والهوى، وإعراض عن الحق والهدى.
وإذا نحن أجلنا النظر في كتاب الله ﷿، تحصل لنا أن مواقف اليهود من رسل الله تتلخص في الأمور التالية:
الأمر الأول:
أنهم فرقوا بين رسل الله ولم يؤمنوا بهم جميعًا؛ بل آمنوا ببعض وكفروا بالبعض الآخر "بمجرد التشهي والعادة، لا عن دليل قادهم إلى ذلك، فإنه لا سبيل لهم إلى ذلك بل بمجرد الهوى والعصبية"١.
ومن أعظلم الرسل الذين كفروا بهم وكذبوا برسالتهم، عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، على أنهم كذبوا وكفروا بأنبياء آخرين غيرهما بدليل قتلهم لكثير من أبنيائهم كما سيأتي.
وقد عد الله من يؤمن ببعض الرسل ويكفر بالبعض الآخر كافرًا؛ بل هو الكافر حقًا فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ٢.
قال الإمام ابن جرير في تفسيره: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾؛ يعني: أنهم يقولون: نصدق بهذا ونكذب بهذا، كما فعلت اليهود في تكذيبهم عيسى ومحمد ﷺ، وتصديقهم بموسى وسائر الأنبياء قبله بزعمهم، وكما فعلت النصارى من تكذيبهم محمدًا ﷺ وتصديقهم بعيسى وسائر الأنبياء قبله بزعمهم"٣.
وقال ﵀ في معنى قوله عزل وجل: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾: "يقول: أيها الناس! هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم هم أهل الكفر بي، المستحقون عذابي والخلود في ناري حقًا، فاستيقنوا ذلك، ولا يشككنكم في أمرهم انتحالهم الكذب، ودعواهم أنهم يقرون بما يزعموا أنه به مقرون من
_________________
(١) ١ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ٢/ ٣٩٦. ٢ سورة النساء آية ١٥٠- ١٥١. ٣ جامع البيان ٩/ ٣٥١.
[ ٢٦١ ]
الكتب والرسل؛ فإنهم في دعواهم ما ادعوا من ذلك كذبة، وذلك أن المؤمن بالكتب والرسل هو المصدق بجميع ما في الكتاب الذي يزعم أنه به مصدق، وبما جاء به الرسول الذي يزعم أنه به مصدق، وبما جاء به الرسول الذي يزعم أنه به مؤمن؛ فأما من صدق ببعض ذلك وكذب ببعض، فهو لنبوة من كذب ببعض ما جاءبه جاحد، ومن جحد نبوة نبي فهو به مكذب، وهؤلاء الذين جحدوا نبوة بعض الأنبياء وزعموا أنهم مصدقون ببعض، مكذبون من زعموا أنهم به مؤمنون، لتكذيبهم ببعض ما جاء به من عند ربهم؛ فهم بالله وبرسله الذين يزعمون أنهم بهم مصدقون، والذين يزعمون أنهم بهم مكذبون كافرون، فهم الجاحدون وحدانية الله وبنوة أنبيائه حق الجحود المكذبون بذلك حق التكذيب"١.
الأمر الثاني:
أنهم خذلوا أنبياءهم ولم يقوموا بنصرهم. وقد أخذ الله عليهم ميثاقهم لينصرنهم فقال: ﴿لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ٢.
قال الحافظ ابن كثير: "أي: نصرتموهم وآزرتموهم على الحق"٣. فلم يفوا بميثاقهم، وما لبثوا أن قالوا لموسى ﵇ لما قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ جامع البيان ٩/ ٣٥٣. ٢ سورة المائدة آية ١٢. ٣ تفسير القرآن العظيم ٣/ ٦٢. ٤ سورة المائدة آية ٢١.
[ ٢٦٢ ]
﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ ١.
ثم ما لبثوا أن أعلنوا خذلانه، وعدم القتال معه، وخلوا بينه وبين عدوه فـ ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون﴾ ٢.
فكان جزاءهم التيه في الأرض أربعين سنة ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ٣.
الأمر الثالث:
أنهم تنقصوا بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ورموهم بارتكاب كبائر الذنوب، وألصقوا بهم كل رذيلة، وكتابهم الذي بين أيديهم ويزعمون أنه التوراة، يفوح بألوان من المخازي، وينضح بالكثير من البهت، والأذى الذي عرف به يهود، لم يسلم من كبار أنبيائهم فضلًا عن غيرهم ممن بعث فيهم، وهاته نماذج مما رموا به بعض الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فمن ذلك:
١- أنهم نسبوا إلى بعض أنبيائهم: الإعانة على الشرك بالله وعبادة غيره وتسهيل سبيل ذلك لقومهم.
فنسبوا لهارون ﵇ أنه صنع لهم العجل، الذي عبدوه من دون الله، جاء في "سفر الخروج": "ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون وقالوا له: قم أصنع لنا آلهة تسير أمامنا؛ لأن هذا موسى الرجل الذي أصعدنا من أرض مصر لا نعلم ماذا أصابه. فقال لهم
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية ٢٢. ٢ سورة المائدة ٢٤. ٣ سورة المائدة ٢٦.
[ ٢٦٣ ]
هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها؛ فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم وأتوا بها إلى هارون، فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالأزميل وصنعه عجلًا مسبوكًا، فقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر؛ فلما نظر هارون بنى مذبحًا أمامه ونادى هارون وقال: غدًا عيد للرب فبكروا في الغد وأصعدوا محرقات وقدموا ذبائح سلامة وجلس الشعب للأكل والشرب ثم قاموا للعب"١.
هكذا يصور هذا السفر نبيًا عظيمًا من أنبياء الله -بعثه الله ليدعو الناس إلى توحيد الله- في صورة صانع للأصنام، مغر لقومه بعبادتها من دون الله ﷿.
ونحن نقطع بأن هذا النص مما كتبه اليهود بأيديهم وقالوا هو من عند الله وما هو من عند الله، وأنه "ليدل على أن محرري هذه الأسفار لا يرعون لأنبيائهم حرمة، ولا يرجون لهم وقارًا، ولا يتورعون عن أن ينسبوا إليهم أية نقيصة حتى خيانة الرسالة نفسها التي بعثوا من أجلها، ودفع قومهم إلى الشرك بالله"٢.
ولقد ذكر الله في القرآن الكريم قصة عبادة اليهود العجل، وبين أن الذي صنع العجل وأغراهم بعبادته هو السامري وليسهارون ﵇، بل أخبر ﷿ أن هارون ﵇ حذر قومه من ذلك ولكن القوم لم يلتفتوا إلى تحذيره وعصوه، وخالفوه إلى ما نهاهن عنه فقال ﷿: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى، قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى، قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ
_________________
(١) ١ الكتاب المقدس، العهد القديم. سفر الخروج، الإصحاح ٣٢ فقرة ١- ٦. ٢ انظر: د. علي عبد الواحد وافي، الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام ص.
[ ٢٦٤ ]
عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي، قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ، فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ، أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا، وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي، قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ ١.
فهذه الآيات تنطق في وضوح ببراءة هارون ﵇ مما نسبه إليه اليهود، وتشهد بافترائهم وكذبهم وتقولهم على الله ﷿، ورسل ألا بئسما يزرون.
ورموا نبي الله الأواب سليمان ﵇ بأنه في أواخر أيامه مال إلى ممالأة نسائه على عبادة الأوثان وبنى لآلهتهن المعابد وأن قلبه مال معهن إلى هذه الآلهة ولم يكن مخلصًا في إيمانه بربه ﷿.
يقول "سفر الملوك الأول": "وكان في زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ولم يكن قلبه كاملًا مع الرب إلهه كقلب داود أبيه فذهب سليمان وراء عشتورث إلالهة الصيدونيين، وملكوم رجس العمونيين، وعمل سليمان الشرقي عيني الرب ولم يتبع الرب تمامًا كداود أبيه. حينئذ بني سليمان مرتفعة لكموش رجس الموآبيين على الجبل الذي تجاه أورشليم ولمولك رجس بني عمون. وهكذا فعل لجميع نسائه الغريبات اللواتي كن يوقدن ويذبحن لآلهتهن؛ فغضب الرب على سليمان؛ لأن قلبه مال عن الرب إله إسرائيل الذي تراءى له مرتين واوصاه في هذا الأمر أن لا يتبع آلهة أخي فلم يحفظ ما أوصى به الرب"٢.
_________________
(١) ١ سورة طه آية ٨٣- ٩١. ٢ سفر الملوك الأول، إصحاح ١١ فقرة ٤- ١٠.
[ ٢٦٥ ]
هذا سليمان النبي الكريم، الذي لم يقر ملكه سبأ وقومها على عباده الشمس والقمر من دون الله، وبذل ما في وسعه لهدايتهم إلى عبادة الله رب العالمين؛ فأظهر لها من آيات الله التي أتاه ما حدى بها إلى الهداية والإسلام فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
ومع ذلك ينسب إليه اليهود الميل إلى عبادة الأصنام والإذعان لرغبة نسائه في ذلك. سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم.
٢- نسبتهم لبعض الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام شرب الخمر وارتكاب فاحشة الزنا والقتل.
فنسبوا إلى أبي الأنبياء نوح ﵇ أنه شرب الخمر حتى سكر وثمل وانكشفت سوءته، كما جاء في "سفر التكوين": "وابتدأ نوح يكون فلاحًا وغرس كرمًا وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجًا؛ فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافها ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء؛ فلم يبصرا عورة أبيهما؛ فلما استقظ نوح من خمرة علم ما فعل به ابنه الصغير فقال ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته٢.
هكذا يصور كتاب اليهود المقدس نوحًا ﵇ الذي مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا سرًا وجهارًا، في صورة فاسق لا يفيق من السكر، قاتلهم الله أنى يؤفكون.
ونسبوا إلى نبي الله لوط ﵇ الزنى بابنتيه؛ فقالوا: إن ابنتيه تأمرنا عليه وأسقتاه خمرًا حتى ثمل وزنى بهما وحملتا منه.
_________________
(١) ١ سورة النمل آية ٤٤. ٢ سفر التكوين، الإصحاح ٩ فقرة ١٨- ٢٦.
[ ٢٦٦ ]
ففي "سفر التكوين": "وصعد لوط من صوغر وسكن في الجبل وابنتاه معه؛ لأنه خاف أن يسكن في صوغر فسكن المغارة هو وابنتاه. وقالت البكر للصغيرة: أبونا قد شاخ وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض. هلم نسقي أبانا خمرًا ونضطجع معه فنحيي من أبينا نسلًا. فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة، ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها، وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة إني قد اضطجعت البارحة مع أبي نسقيه خمرًا في تلك الليلة فادخلي اضطجعي معه فنحيي من أبينا نسلًا؛ فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة أيضًا وقامت الصغيرة واضطجعت معه ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها فحبلت ابنتا لوط من أبيهما فولدت البكر ابنًا ودعت اسمه موآب وهو أبو الموآبيين إلى اليوم، والصغيرة أيضًا ولدت ابنا اسمه بن عمي وهو أبو بني عمون إلى اليوم"١.
وهذا نبي الله الملك الصالح داود ﵇ تنسب إليه التوراة المزعومة الزنى بامرأة أحد جنوده، وأنها حملت منه سفاحًا، وإنه لما خشي افتضاح أمره احتال لقتله، وتزوج امرأته من بعده.
جاء في "سفر صموئيل الثاني": "وكان في وقت المساء أن داود قام عن سريره وتمشى على سطح بيت الملك فرأى من على السطح امرأة تستحم وكانت المرأة جميلة المنظر جدًا فأرسل داود وسأل عن المرأة فقال واحد: أليست هذه بتشبع بنت ألبعام امرأة أوريا الحثي، فأرسل داود رسلًا وأخذها فدخلت إليه فاضطجع معها وهي مطهرة من طمثها ثم رجعت إلى بيتها وحبلت المرأة فأرسلت وأخبرت داود وقالت: إني حبلى"٢.
ثم يذكر هذا الإصحاح ما قام به داود ﵇ من طلب عودة أوريا
_________________
(١) ١ سفر التكوين، الإصحاح ١٩ فقرة ٣٠- ٣٧. ٢ سفر صموئيل الثاني، إصحاح ١١ فقرة ٢- ٥.
[ ٢٦٧ ]
من المعركة ليقيم مع زوجته في محاولة من داود لإخفاء جريمته ونسبة الحمل لأوريا؛ ولكن أوريا لم يدخل على أهله، ولما يئس منه داود تاب إلى قائده يأمره لأوريا؛ ولكن أوريا يمقدمة الجيش والتراجع عنه عند اشتداد الخطر ليهلك يقول الإصحاح: "وفي الصباح كتب داود مكتوبًا إلى يوآب وأرسله بيد أوريا، وكتب في المكتوب يقول: أجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة وأجرعوا من ورائه فيضرب ويموت"١.
فانظر رحمك الله كيف صوروا نبيًا كريمًا بهذه الصورة المزرية؛ فلم يكفهم نسبة الزنا إليه، حتى جعلوه متآمرًا على القتل، بل آمرًا به.
الأمر الرابع: أنهم قتلوا بعض أنبيائهم
لقد سجل الله عليهم في القرآن الكريم هذا الموقف المشين من أنبيائهم في غير ما آية، مقرعًا ومبخًا لهم على هذا الصنع القبيح، والجرم العظيم الذي ارتكبوه في حق من أرسل لهدايتهم، وبعث لإرشادهم إلى صراط الله المسقيم، من أنبياء الله ورسله؛ ولكن القوم كانوا كلما جاءهم رسول بما يخالف أهواءهم ورغباتهم الهابطة لا يألون جهدًا في إيذائه وصده عن دعوته، متبعين في ذلك مختلف الأساليب سالكين شتى الطرق، فسبوهم وأهانوهم وتنقصوهم حتى أفضى بهم الأمر إلى أن قتلوهم.
يقول جل وعلا مسجلًا عليهم هذا الموقف: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ٢. وقال ﷿: ﴿مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا
_________________
(١) ١ سفر صموئيل الثاني، إصحاح ١١ فقرة ١٤- ١٦. ٢ سورة البقرة آية ٨٧.
[ ٢٦٨ ]
كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ ١.
فاستجلبوا بهذا الموقف المخزي غضب الله ﷿ ومقته وسخطه واستوجبوا عذابه ونقمته: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ٢. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٣.
ولقد أسرف القوم فيقتل الأنبياء واستمرؤا ذلك، وردوا على الكفر بالله وسفك دم أنبيائه، فكانوا يقتلون النبيأو الأنبياء، ثم يمارسون أعمالهم وحياتهم اليومية وكأنهم لم يرتكبوا إثمًا، أو يحدثوا جرمًا، أثر عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: "وكانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النهار"٤.
ومن أعظم الأنبياء الذين قتلوهم زكريا وابنه يحيى ﵉؛ فقد أخرج الحاكم عن ابن عباس ﵄ في قوله ﷿: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ قال: "بعث عيسى بن مريم في اثني عشر رجلًا من الحواريين يعلمون الناس فكان ينهاهم عن نكاح ابنة الأخ وكان ملك له ابنة أخ تعجبه فأرادها وجعل يقضي لها كل يوم حاجة فقالت لها أمها إذا سالت عن حاجتك فقولي له: أن تقل يحيى بن زكرياِ؛ فقال لها الملك: حاجتك فقالت: حاجتي أن تقتل يحيى بن زكريا، فقال: سلي غير
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية ٧٠. ٢ سورة البقرة آية ٦١. ٣ سورة آل عمران آية ٢١. ٤ ذكره ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ١/ ١٤٦، والسيوطي، الدر المنثور ١/ ١٧٨. وقال: أخرجه أبو داود الطيالسي، وابن أبي حاتم. انظر: تفسير ابن حاتم المسمى، تفسير القرآن العظيم ١/ ١٩٧، ح ٦٣٦، وقال محققه: رجاله ثقات.
[ ٢٦٩ ]
هذا؛ فقالت: لا أسأل غير هذا؛ فلما أتى أمر به فذبح"١.
وذكر الإمام ابن جرير٢ وغيره٣ قتل بني غرسائل زكريا عليها لسلام كما قتلوا ابنه يحيى، وقد أجمعوا قتل المسيح عيسى بن مريم ﵇؛ ولكن الله حفظه من كيدهم، ورفعه إليه، وألقى شبهه على غيره فقتلوه وصلبوه وهم يعتقدون أنهم قتلوا المسيح ﵇، كما ذكر ذلك عنهم الحق ﵎: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٤.
وكما سجل الله عليهم في القرآن الكريم هذا الجزم العظيم، نجد نصوص الأسفار المقدسة عندهم تنص على وقوع ذلك أيضًا؛ ففي "سفر الملوك الأول" نرى كيف حاول بنو إسرائيل قتل نبي الله إلياس ﵇والسفر يذكره باسم "إيليا"- مما اضطره إلى الهرب والاختباء منهم؛ لأنهم تركوا عهد الله وقتلوا أنبياءه: "وكان كلام الرب إليه يقول له: مالك ههنا يا إيليا؟ فقال: قد غرت غيره للرب إليه الجنود؛ لأن بني إسرائيل قد تركوا عهدك ونقضوا مذابحك، وقتلوا أنبياءك بالسيف؛ فبقيت أنا وحدي، وهم يطلبون نفسي ليأخذوها"٥.
فهذا النص الذي سجله أحبار اليهود ومحرروًا أسفارهم، يدل دلالة
_________________
(١) ١ المستدرك ٢/ ٢٩٠، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. ٢ انظر: جامع البيان ٦/ ٢٨٤. ٣ كالإمام ابن القيم. انظر: هداية الحيارى ص ٤٧، "ط. الأولى، بتحقيق مصطفى أبو النصر". ٤ سورة النساء آية ١٥٧- ١٥٨. ٥ الكتاب المقدس، العهد القديم. سفر الملوك الأول، إصحاح ١٩ فقرة ١٠.
[ ٢٧٠ ]
واضحة على أن هذا الخلق الذميم كان متأصلًا في نفوسهم العليلة، حتى إنهم لا يتحرجون من الاعتراف؛ بل من التباهي به، وكأنهم يسجلون عملًا جليلًا قاموا به، وقد رأينا قبل هذا كيف ادعوا واعتقدوا أنهم قتلوا المسيح بن مريم ﵇ وقالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ١.
ويبدو أن هذا الخلق ظل ملازمًا لهم تجاه أنبياء الله ورسله، ولم يكن ذلك منهم مع أنبيائهم فقط؛ فقد حاولوا قتل نبينا محمد ﷺ، فدسوا له السم صلوات الله عليه بغية قتله وحاول بنو النضير منهم اغتياله بإلقاء الصخرة عليه٢، جريًا على عادتهم في الخبث والكيد لرسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، كما ثبت في "الصحيحيين" من حديث أنس ﵁: "أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة، فأكل منها فجئ بها إلى رسول الله ﷺ فسألها عن ذلك؟ فقالك أردت لأقتلك. قال: ما كان الله ليسلطك على ذاك، قال: أو قال: "علي" قال: قالوا: ألا تقتلها؟ قال: لا، قال فما زلت أعرفها في لهوات٣ رسول الله ﷺ"٤.
وتشير بعض الروايات إلى أن النبي ﷺ مات وهو يجد أثر سم اليهود له؛ ففي حديث عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة! ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر؛ فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من السم"٥
_________________
(١) ١ سورة النساء آية ١٥٧. ٢ انظر: ابن هشام، السيرة ٢/ ١٩٠. ٣ اللهوات: جمع لهاة، وهي: اللحمات في سقف أقصى الفم. ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث ٤/ ٢٨٤؛ والمراد: أنه بقي للسمل علامة وأثر من سواد وغيره. ٤ خ: كتاب الهدية، باب قبول الهدية من المشركين ٥/ ٢٣٠، ح ٢٦١٧. م: كتاب السلام، باب باب السم ٤/ ١٧٢١، ح ٤٥ واللفظ له. ٥ خ: المغازي، باب مرض النبي ﷺ ٩/ ١٣١، ح ٤٤٢٨.
[ ٢٧١ ]
وبعد: فهذا هو موقف يهود من رسل الله وأنبائه صلوات الله وسلامه عليهم؛ إيمان ببعض وكفر ببعض، وتنقص منهم، وإيذاء، وسب، وشتم، وقذف بارتكاب جرائم السكر والعربدة، والزنا والقتل، ثم تشريد ومطاردة وقتل لبعضهم.
وهي مواقف تدل على مبلغ تفريط القوم في حق أنبياء الله ورسله، وعظم تقصيرهم وشدة جفائهم وعداوتهم لهم، وهذا هو الطابع الذي غلب عليهم في هذا الباب١، على أنهم ربما غلوا وأفرطوا في حق بعض أنبيائهم، وأنزلوهم فوق مكانة النوبة والرسال، كما وقع منهم في حق العزيز ﵇؛ إذ قالوا إنه ابن الله كما ذكر الله ﷿ ذلك في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢.
ومن مظاهر غلوهم اتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد، كما أخبر المصطفى ﷺ بذلك ولعنهم لأجله؛ فقال: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ٣. وفي حديث آخر قال: "قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ٤.
فالقوم كان لديهم غلو في بعض أنبيائهم؛ لكن لما كان الغالب عليهم الجفاء والتفريط في هذا الجانب ظن بعض الناس أنه لم يقع منهم غلو، لكثرة ما ورد في القرآن من نسبة قتل الأنبياء وتكذيبهم إليهم، بل ربما لهوى في نفوس البعض، حاول التشكيك في الأحاديث التي أشرنا إليها وأوهم أنها تعارض ما جاء في القرآن من ذكر جفائهم للأنبياء٥، وغفل أو تغافل عن القرآن الكريم كما جاء فيه نسبة التفريط إليهم، جاء فيه أيضًا نسبة الإفراط والغلو إليهم كما تقدم في شأن العزير ﵇.
_________________
(١) ١ باب أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام. ٢ سورة براءة آية ٣٠. ٣ خ: كتاب الصلاة ١/ ٥٣٢، ح ٤٣٦. وم: المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور ١/ ٣٧٧. ٤ خ: كتاب الصلاة ١/ ٥٣٢ ح ٤٣٧. ٥ للشيخ عبد الله محمد الصديق الغماري رسالة في تحويز بناء القباب والمساجد على القبور أوهم فيها ذلك.
[ ٢٧٢ ]