المبحث الثالث: المراد بأهل السنة
لكي نحدد المراد بأهل السنة، سأعرض لنشأة مصطلح "أهل السنة" وتاريخ إطلاقه وعلى من أطلق على ضوء النصوص التي سنوردها عن السلف في ذلك، والتي توضح مراد السلف بقولهم: "أهل السنة".
ثم سنبين تنازع الطوائف والفرق هذا اللقب ودعوى كل طائفة أنها هي التي ينطبق عليها هذا الوصف، وسنفصل القول في دعوى الأشاعرة ذلك، مع بيان موقفهم من السنة والنقل عمومًا.
وسأختم هذا المبحث -إن شاء الله- ببيان موقف أهل العلم قديمًا وحديثًا من دعوى الأشاعرة هذه.
أولًا: نشأة مصطلح "أهل السنة" وتاريخ إطلاقه
يرجع تاريخ إطلاق هذا اللفظ إلى صدر الإسلام، إلى عصر النبوة والقرون المفضلة.
قد أخرج اللالكائي بسنده عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وجُوه﴾ ١؛ "فأما الذين ابيضت وجوههم: فأهل السنة والجماعة وأولوا العلم، وأما الذين اسودت وجوههم: فأهل البدع
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية ١٠٦.
[ ٤١ ]
والضلالة١".
ثم تتابع ورود استعمال هذا اللفظ وإطلاقه عن كثير من أئمة السلف رحمة الله عليهم، أذكر طائفة منهم حسب التسلسل التاريخي:
فممن ورد عنه ذلك:
-أيوب السختياني "٦٨- ١٣١ هـ":
فقد أخرج اللالكائي عنه أنه قال: إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة وكأني أفقد بعض أعضائي. وقال أيضَا: إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة٢.
-سفيان الثوري "ت ١٦١ هـ".
قال: استوصوا بأهل السنة خيرًا فإنهم غرباء. وقال: ما أقل أهل السنة والجماعة٣.
- الفضيل بن عياض "ت ١٨٧ هـ".
قال: أهل الإرجاء يقولون: الإيمان قول بلا عمل، وتقول الجهمية: الإيمان المعرفة بل قول ولا عمل، ويقول أهل السنة: افيمانه المعرفة والقول والعمل٤.
- أبو عبيد القاسم بن سلام "١٥٧- ٢٢٤ هـ".
_________________
(١) ١ اللالكائي، شرح أصول أهل السنة ١/ ٧٢، والبغوي، معالم التنزيل ١/ ٣٣٩، وابن كثير، التفسير ٢/ ٧٦. ٢ اللالكائي، شرح أصول أهل السنة ١/ ٦٠- ٦١. ٣ اللالكائي، شرح أصول أهل السنة ١/ ٦٤. ٤ ابن جرير الطبري: تهذيب الآثار "بتحقيق د. ناصر سعد الرشيد، وعبد القيوم عبد رب النبي، ط. مطابع الصفا -٠مكة، على نفقة الأمير فهد بن عبد العزيز، ١٤٠٢ هـ" ٢/ ١٨٢.
[ ٤٢ ]
قال في مقدمة كتاب "الإيمان" له: فإنك كنت تسألني عن إيمان واختلاف الأمة في استكماله، وزيادته، ونقصانه، وتذكر أنك أحببت معرفة ما عليه أهل السنة من ذلك١.
- الإمام أحمد بن حنبل "١٦٤- ٢٤١ هـ":
قال في مقدمة كتاب "السنة" له: هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروتها، المعروفين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا٢.
- الإمام ابن جرير الطبري "ت ٣١٠ هـ":
قال: وأما الصواب من القول في رؤية المؤمنين ربهم ﷿ يوم القيامة وهو ديننا الذي تدين الله به، وأدركنا عليه أهل السنة والجماعة فهو أن أهل الجنة يرونه على ما صحت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
- أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي "٢٣٩- ٣٢١ هـ":
قال في مقدمة عقيدته المشهورة: هذا ذكر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة٤.
وبهذا النقول يتضح لنا جليًا أن لفظ "أهل السنة" معروف عند السلف
_________________
(١) ١ الإيمان ص ٥٣ ضمن كتاب من كنوز السنة -رسائل أربع، "بتحقيق الشيخ ناصر الدين الألباني". ٢ السنة ص ٣٣- ٣٤، مع كتاب الرد على الجهمية له، ط. عيسى الحلبي. ٣ صريح السنة له "بتحقيق وتعليق بدر بن يوسف المعتوق، ط. الأولى ١٤٠٥ هـ، نشر: دار الخلفاء للكتاب الإسلامي" ص٢٠. ٤ عقيدة أهل السنة والجماعة ص٥ "بتعليق ابن مانع، نشر: مكتبة دار المطبوعات الحديثة - جدة".
[ ٤٣ ]
متداول بينهم، أطلقوه في مقابل "أهل البدع"، وألفوا في بيان عقيدة أهل السنة وميزوا بينهم وبين أهل البدع، كما فعل الإمام أحد والإمام الطحاوي وغيرهم.
وفي هذا رد على من زعم أن لقب "أهل السنة" أول ما أطلق على الأشاعرة، كما زعم ذلك الأستاذ مصطفى الشكعة؛ إذ يقول في كتابه "إسلام بلا مذاهب": "وهكذا نجد أن لقب "أهل السنة" أطلشق أول ما أطلق على جماعة الأشاعرة ومن نحا نحوهم، ثم اتسعت دائرته فشملت أصحاب المذاهب والفقهاء من أمثال الشافعي ومالك وأبي حنيفة وابن حنبل والأوزاعي وأهل الرأي والقياس"١.
ولا أدري كيف يستقيم هذا القول، وهؤلاء الأئمة قد توفوا قبل زمن الأشعري؟
ثم زعم في موضع آخر من كتابه أن هذه التسمية لم تعرف إلا في القرن السابع الهجري قال: "وذلك أن تسمية جمهرة المسلمين بأهل السنة تسمية متأخرة يرجع تاريخها إلى حوالي القرن السابع الهجري؛ أي: بعد عصر آخر الأئمة المشهروين وهو البن حنبل بحوالي أربعة قرون"٢.
على أنه يتناقض فيعترف في نفس كتابه هذا، بوجود من يعرف بـ "أهل السنة" قبل أن يخلق الله الأشعري والأشاعرة؛ إذ يقول: "إن المأمون وهو علي أهبة الخروج إلى طرسوس على حدود بلاد الروم سنة ٢١٨ هـ. بعث إلى إسحاق بن إبراهيم عامله على بغداد كتابًا يأمره فيه أن يستحضر علماء بغداد وقضاتها، وأن يمتحنهم في موضع خلق القرآن.
وقال: وكتاب المأمون هذا من أشنع الكتب التي حوت سبًا وتطاولًا على
_________________
(١) ١ إسلام بلا مذاهب ص ٤٩٦،ط. شركة ومطبعة مصطفى الحلبي بمصر. ٢ نفس المصدر ص ٣٨١.
[ ٤٤ ]
علماء المسلمين من أهل السنةِ"١. اهـ.
إذن كان هناك أهل سنة يدافعون عن عقيدتهم في القرآن، ويردون على من قال بخلقه، يعرفون بأنهم "أهل السنة".
فكيف يقال: إن هذا اللقب أطلق أول ما أطلق على جماعة الأشاعرة؟ أم كيف يقال: أن هذه التسمية لم تعرف إلا في القرن السابع الهجري؟
على أن الأشاعرة السابق منهم واللاحق لم يدعوا لأنفسهم ما ادعاه لهم الأستاذ الشكعة.
فهذا الإمام البيهقي "٥٧١ هـ" يقول عن الإمام الأشعري: "فهذا سبب رجوعه عن مذاهب المعتزلة غلى مذاهب أهل السنة والجماعة"٢؛ فإذا أهل السنة والجماعة موجودون معروفون بهذا اللقب والأشعري بعد أن ترك الاعتزال رجع إلى مذهبهم، عن تفصيل في أحوال الأشعري ليس هذا مكان ذكره.
ويقول د. علي سامي النشار من الأشاعرة المعاصرين: "لقد شهد القرن الثالث حركة كلامية كبرى حمل لواءها "أهل الحديث".. ثم ذكر كتب: خلق أفعال العباد، والاختلاف في اللفظ، وكتب الدارمي، قال: وتبين هذه الكتب ظهور الاتجاه الكلامي لدى أصحاب الحديث، وأن أصحاب الحديث وجدوا كفرقة مقابلة للجهمية وللمعتزلة، وللخوارج، وأنهم سموا باسم "أهل الحديث وأهل السنة"٣ *.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ٤٧٢. ٢ انظر: ابن عساكر أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله، تبيين كذب المفتري، "نشر دار الفكر، ط. الثانية ١٣٩٩ هـ"، ص ٤٣. ٣ انظر: كتابه نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ١/ ٢٦١. * والحق أن أهل الحديث لم يكونوا في يوم من الأيام من حملة ألوية الكلام، وكل ما فعلوه أنهم عند انتشار البدع على يد المتكلمين قام أهل الحديث بواجبهم في الرد عليهم، وبيان فساد ما ذهبوا إليه، وبينوا السنة التي يجب اتباعها في المسائل التي أثارها أهل الكلام.
[ ٤٥ ]
ويقول الأستاذ أحمد أمين: "واسم أهل السنة كان يطلق على جماعة من قبل الأشعري والماتريدي، وقد حكى لنا أن جماعة كان يطلق عليها أهل السنة، وكانت تناهض المعتزلة قبل الأشعري.
ولما جاء الأشعري وتعلم على المعتزلة اطلع أيضًا على مذاهب أهل السنة، وتردد كثيرًا في أي الفريقين أصح، ثم أعلن انضمامه إلى أهل السنة وخروجه على المعتزلة"١.
_________________
(١) ١ انظر كتابه: ظهر الإسلام ٤/ ٩٦.
[ ٤٦ ]