الفصل الأول: عدالة هذه الأمة
المبحث الأول: وجوب العدل على هذه الأمة وصور من قيامها به
أولًا: وجوب العدل على هذه الأمة
العدل من الأسس والقيم التي جاءت بها جميع الشرائع السماوية؛ فأنزل الله به كتبه، وأرسل به رسله، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ١؛ أي: بالعدل.
فما من كتاب أنزل، ولا رسول أرسل إلا أمر أمته بالعدل، وأوجبه عليها، والأمم في ذلك ما بين طائع آخذ منه بنصيب، وحائد مائل عن العدل والقسط لجهل أو هوى. والرسل ما تزال ترسل تجدد ما اندرس، وتذكر الناس بما نسوا إلى أن ختمت الرسالات بخاتم الأنبياء نينا محمد ﷺ.
ولما كانت هذه الرسالة المحمدية خاتمة الرسالات، والنبي ﷺ خاتم الأنبياء والرسل، وهذه الأمة خاتمة الأمم، والأمة التي جعلها الله شاهدة على الناس، قيمة على البشرية، تبلغها دين الله، وتشهد لها بالإيمان أو عليها بالكفر والعصيان. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ فقد كان العدل من أهم ما يجب على هذه الأمة؛ بل هو من أعظم ما يميزها عن الأمم.
ولم يكتف الحق ﵎ بإيجاب العدل على هذه الأمة؛ بل أراد
_________________
(١) ١ سورة الحديد آية ٢٥.
[ ١٦٥ ]
منها أن تجعله خلقًا من أخلاقها، وصفة من صفاتها، وصبغة تصطبغ بها من دون الناس؛ فأمرها أن تكون قائمة بالعدل؛ بل قوامة به بين الناس، لله ﷿، لا لأي شيء آخر، فلا تحابي فيه قريبًا لقرابته، ولا تضار عدوًا لعداوته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ١.
قال الإمام ابن جرير في تفسير هذه الآية: "يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله، وبرسوله محمد -ﷺ- ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله شهداء بالعدل، في أولياءكم وأعدائكم، ولا تجوروا في أحكامكم وافعالكم فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعداوتهم ولا تقصروا فيما حددت لكم من أحكامي، وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم؛ ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدي، واعملوا فيه بأمري"٢.
وقال الحافظ ابن كثير: "أي: كونوا قائمين بالحق لله ﷿، لا لأجل الناس والسمعة، وكونوا شهداء بالقسط؛ أي: بالعدل لا بالجور، ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾؛ أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم بل استعملوا العدل في كل أحد، صديقًا كان أو عدوًا"٣.
وقال في موضع آخر: "أي: لا يحملنكم بغض أقوام على ترك العدل؛ فإن العدل واجب على كل أحد في كل أحد في كل حال"٤.
فالعدل الذي أمرت به هذه الأمة، حق عام لكل أحد من الناس، لا يحجبه عن مستحقه شنئان ولا عداوة، ولا يحول دونه اختلاف لون ولا جنس بل
_________________
(١) ١ سورة المائدة: آية ٨. ٢ جامع البيان ١٠/ ٩٥. ٣ تفسير القرآن العظيم ٣/ ٥٨. ٤ تفسير القرآن العظيم ٣/ ٥٨.
[ ١٦٦ ]
ولا دين ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ١.
فالعدل حق لكل الناس جميع الناس، لا عدلًا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب، ولا عدلًا مع أهل الكتاب دون سائر الناس؛ وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه "إنسان" فهذه الصفة -صفة الناس- هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني، وهذه الصفة التي يلتقي عليها البشر جيمعًا، مؤمنين وكفارًا، أصدقاء وأعداء، سودًا وبيضًا، عربًا وعجمًا، والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل -متى حكمت في أمرهم-٢.
العدل واجب على هذه الأمة، ولو كان فيه مراغمة لعواطف البغض والعداوة، ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، وهو كذلك واجب، ولو كان فيه مراغمة لكافة عواطف الحب والمودة والقرابة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ٣. والأمة مأمور بأن تقوم بالعدل والقسط والشهادة لله وليس لأحد سواه، وأن يكون ذلك منها بدون اعتبار لدوافع الحب والولاء والقرابة، أو البغضاء والشنئان والعداوة؛ لأنهما إنما تقوم بالعدل والقسط بين الناس لله وبأمر الله.
ولاعدل بهذه الصورة الشاملة، لم تعرفه البشرية قط إلا على يد هذه الأمة، ولم تنعم به البشرية قط إلا تحت حكم الأمة المسلمة.
_________________
(١) ١ سورة النساء آية ٥٨. ٢ سيد قطب، في ظلال القرآن ٢/ ٤١٤. ٣ سورة النساء آية ١٣٥.
[ ١٦٧ ]