تجعل نسها الفرقة الناجية دون غيرها، وأنها هي المشار إليها في حديث الافتراق.
فقد نقل ابن المطهر الحلي١ عن شيخه النصير
_________________
(١) ١ وهو الحسين بن يوسف بن المطهر الحلي، ذكره ابن حجر باسم "الحسين" وقال: هو عالم الشيعة وإمامهم ومصنفهم، وهو الذي رد عليه الشيخ تقي الدين ابن تيمية في كتابه المعروف بالرد على الرافضي. قلت: وهو كتاب منهاج السنة وهو مشهور، وقال ابن تغري بردي: كان عالمًا بالمعقولات وله عدة مصنفات؛ غير أنه كان رافضيًا خبيثًا على مذهب القوم. انظر: لسان الميزان ٢/ ٣١٧، والنجوم الزاهرة ٩/ ١٦٧، ط. مصورة عن طبعة دار الكتب.
[ ٤٩ ]
الطوسي١ أنه سئل عن المذاهب؛ فقال: "بحثنا عنها وعن قول الرسول ﷺ: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة منها ناجية والباقي في النار". وقد عين ﵇ الفرقة الناجية والهالكة في حديث آخر صحيح متفق عليه، وهو قوله: "مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف غرف؛ فوجدنا الفرقة الناجية هي: الفرقة الإمامية؛ لأنهم باينوا جميع المذاهب، وجميع المذاهب قد اشتركت في أصول العقائد"٢.
وقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ردًا متينًا مطولًا من ثمانية أوجه٣ فأفاد وأجاد رحمة الله عليه. وقد بين في "الوجه الخامس" أن ق وله صل الله عليه وسلم في حديث الافتراق عن الفرقة الناجية وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي.
وفي رواية: "هم الجماعة" يناقض قول الإمامية ويقضي أنهم خارجون عن الفرقة الناجية، خارجون عن جماعة المسلمين يكفرون أو يفسقون أئمة
_________________
(١) ١ وهو: محمد بن محمد بن احلسن بنصير الدين الطوسي الفيلسوف، كان ذا منزلة من هولاكو وزر له، استغل مكانته في التنكيل بأهل السنة والإساءة إليهم والتشفي منهم. كان مولده سنة ٥٩٧ ووفاته ببغداد سنة ٦٧٢. انظر ترجمته لدى: محمد بن شاكر الكتبي في فوات الوفيات "بتحقيق د. إحسان عباس نشر: دار صادر"، ٣/ ٢٤٦ وشذرات الذهب ٥/ ٣٣٩. ٢ ابن المطهر الحلي، منهاج الكرامة مطبوع مطبوع مع كتاب منهاج السنة، ١/ ٩٥ ط. المدني. ٣ انظر: منهاج السنة ٣/ ٤٤٤- ٤٨٤، "ط. جامعة الإمام بتحقيق د. محمد رشاد سالم".
[ ٥٠ ]
الجماعة؛ كأبي بكر وعمر، وكذلك يكفرون أو يفسقون علماء وعباد الجماعة.
وبين ﵀ أن الإمامية أبعد الناس من سير الصحابة، وأجهلهم بحديث رسول الله وأعداهم لأهله من أصحاب رسول الله صلى الهل عليه وسلم وأمة المسلمين، ثم تبين أن الوصف الوارد في الحديث لا ينطبق إلا على أهله السنة؛ لأنهم هم الذين على ما كان عليه الرسول ﷺ وهم أهل الجماعة الذين ما فرقوا دينهم وكانوا شيعًا.
ثم بين في "الوجه السادس"١ أن الحجة التي احتج بها الطوسي على أن الإمامية هي الفرقة الناجية وهي قوله: "لأنهم باينوا جميع المذاهب"، بين رحمه أن هذه الحجة كذب في وصفها، كما هي باطلة في دلالتها.
وبين أن كثيرًا من الفرق قد باينت جميع الفرق الأخرى فيما اختصت به من أقوال؛ فالخوارج باينوا جميع المذاهب فيما اختصوا من التكفير بالذنوب ومن تكفير علي ﵁. وغير ذلك مما انفردوا به من أقوال. وكذلك المعتزلة باينوا جميع الطوائف فيما اختصوا به من "المنزلة بين المنزلتين"، وقولهم أن أهل الكبائر يخلدون في النار، وليسوا بمؤمنين ولا كفار، وهكذا جميع الفرق، فلا اختصاص للرافضة بذلك.
ثم قال في "الوجه السابع": "إن مباينتهم لجميع المذاهب هو على فساد قولهم أدل منه على صحة قولهم، فإن مجرد انفراد طائفة عن جميع الطوائف لا يدل على أن -قولها- هو الصواب، واشترك أولئك من قول لا يدل على أنه باطل"٢.
وكيف يتخذ الاختلاف والإغراق في الابتعاد عن الآخرين أساسًا لنجاة؟
_________________
(١) ١ منهاج السنة ٣/ ٤٦٠- ٤٦١. ٢ منهاج السنة ٣/ ٤٤٦.
[ ٥١ ]
ولو اتبعنا هذا الأساس لكان الإغراق في الإلحاد أساسًا للنجاة؛ بل لكان التخريف أو تخيلات المجانين أكثر قربًا للنجاة؛ لأنها أكثر باتعادًا عن آراء الآخرين١.
وأما استدلاله بحديث "سفينه نوح" فهو يتوقف على صحة الحديث، والحديث ضعيف كما ذكر ذلك الذهبي٢، والألباني٣، ولا عبرة يقول الطوسي: "أنه حديث صحيح متفق عليه"؛ فليس هو من أهل هذا الشأن.
والمعروف أنه من قول الإمام مالك بلفظ: "السنة مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك".
قال شيخ الإسلام في إيضاح معناه: "وهذا حق فإن سفينة نوح إنما ركبها من صدق المرسلين واتبعهم، وأن من لم يركبها فقد كذب المرسلين، واتباع السنة هو ابتاع الرسالة التي جابت من عند الله فتباعها بمنزلة من كرب مع نوح في السفينة باطنًا وظاهرًا، والمتخلف عن إتباع الرسالة بمنزلة المتخلف عن اتباع نوح ﵇ وركوب السفينة"٤.
_________________
(١) ١ د. عبد الحليم محمود، التفكير الفلسفي في الإسلام "ط. الثالثة ١٣٨٧ هـ، نشر: مكتبة الأنجلو المصرية"، ص ٩٩. ٢ قال الذهبي في "تلخيص المستدرك" معقبًا على قول الحاكم: "حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، قلت: "مفضل- أحد رواة الحديث- رخج له الترمذي فقط ضعفوه"، انظر: المستدرك ٢/ ٣٤٣. ٣ انظر: ضعيف الجامع الصغير ٥/ ١٣١. ٤ الفتاوى ٤/ ١٣٧.
[ ٥٢ ]