المبحث الأول: في بيان قول أهل التعطيل
وقيل ذكر أقوالهم، لنقف على معنى التعطيل في اللغة، والمراد به عند إطلاقه في هذا الباب.
فالتعطيل في اللغة: من عطل، وهو يدل على خلو وفراغ، نقول: عطلت الدار، ودار معطلة، ومتى تركت الإبل بلا راع فقد عطلت، وكذلك البئر ذا لم تورد ولم يستق منها، قال تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ ١، ٢؛ أي: لا يستقي منها، ولايردها أحد٣.
والمراد بالتعطيل: إنكار ونفي ما يجب لله تعالى من الأسماء والصفات أو إنكار بعض ذلك٤، وهو يتضمن تعطيل الخالق جل وعلا من بعض أسمائه وصفاته، وتعطيل نصوص الكتاب والسنة عما دلت عليه من المعنى الحق في هذا الباب.
وأهل التعطيل كما سبقت الإشارة طوائف، أخذ الخالف منهم بعض ما كان عليه السالف والجميع في ربقة التعطيل مرتبك.
الطائفة الأولى: نفاة الأسماء والصفات
وهؤلاء هم "الجهمية" وسموا بذلك نسبة إلى "الجهم بن صفوان" السمرقندي الترمذي، مولى بني راسب "ت ١٢٨ هـ"٥.
_________________
(١) ١ سورة الحج آية ٤٥. ٢ ابن فارس، معجم مقاييس اللغة ٤/ ٣٥١- ٣٥٢. ٣ انظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ٥/ ٤٣٤. ٤ انظر: محمد بن صالح بن عثيمين، فتح رب البرية بتلخيص الحموية ٥٥ ضمن مجموع رسائل في العقتيدة، "ط. الأولى ١٤٠٤هـ، نشر: دار طيبة - الرياض". ٥ انظر ترجمته لدى ابن حجر، لسان الميزان ٢/ ١٤٢.
[ ٣٠٩ ]
وكان -كما يقول الإمام أحمد بن حنبل "صاحب خصومات وكلام، وكان أكثر كلامه في الله تعالى"١.
تلقى عن شيخه "الجعد بن درهم"٢ الكلام والقول بإنكار الأسماء والصفات٣، ثم أشاعه وأظهر حتى نسب ذلك إليه دونه وكان أول ظهور مذهبه بـ "ترمذ"، وظل يبث آراءه في ذلك حتى قتله سلم بن أحوز المازني بـ "مرو" في آخر ملك بني أمية كما يقول الأشعري٤، وذكر الإمام ابن جرير وفاته في سنة مائة وثمان وعشرين٥.
* ذكر قول جهم وأصحابه في الأسماء والصفات:
لم يصل إلينا شيء من كتب الجهمية الأوائل؛ غير أننا نستطيع أن نقف على الكثير من أقوالهم واعتقاداتهم، من خلال ما دونه عنهم بعض الأئمة ومؤلفوا كتب الفرق والمقالات، وما سجله بعض المؤرخين من مقالاتهم في ثنايا تراجمهم وأخبارهم.
فما بلغنا من قولهم في ذلك، ما ذكره الإمام أحمد بن حنبل في كتاب: "الرد على الجهمية والزنادقة"؛ حيث قال: "وزعم -أي: جهم- أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه، أو حدث عنه رسوله كان كافرًا، وكان من المشبهة.
_________________
(١) ١ انظر: الرد على الجهمية والزنادقة ١٠٢. ٢ قال الذهبي: عداده في التابعين، مبتدع ضال، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا، فقتل على ذلك بالعراق يوم النحر والقصة مشهورة. اهـ. ميزان الاعتدال ١/ ٣٩٩. وقصة قتله رواها الإمام البخاري في خلق أفعال العباد ص ٧. ٣ قال الإمام البخاري: "قال قتيبة: بلغني أن جهمًا كان يأخذ الكلام من الجعد بن درهم". انظر: خلق أفعال العباد ص ٧. ٤ انظر: المقالات ١/ ٣٣٨٣. ٥ انظر: تاريخ الأمم والملوك ٧/ ٣٣٥.
[ ٣١٠ ]
وإذا سألهم الناس عن قول الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ يقولون: ليس كثله شيء من الأشياء، وهو تحت الأرضين السبع كما هو على العرش، ولا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان ولم يتكلم، ولا يتكلم، ولا ينظر إليه أحد ي الدنيا ولا في الآخرة، ولا يوصف ولا يعرف بصفة"١.
ومن ذلك قول الأشعري عن الجهم: "ويحكى عنه أنه كان يقول: لا أقول أن الله سبحانه شيء؛ لأن ذلك تشبيه له بالأشياء"٢.
ومن ذلك ما نقله الملطي من قولهم: "إن الله لا شيء، ولا يقع عليه صفة شيء -قال-: ومنهم صنف زعموا أن الله شيء، وليس كالأشياء، ولا يقع عليه صفة ولا سمع ولا بصر، ولا كلام، ولا يتكلم، وأن القرآن مخلوق، وأنه لم يكلم موسى، ولا يكلم قط -قال:- ومنهم صنف قالوا: لا نقول: إن الله قوي ولا شديد ولا حي، ولا ميت، ولا يغضب ولا يرضى، ولا يسخط، ولا يحب ولا يعجب، ولا يرحم، ولا يفرح، ولا يسمع، ولا يبصر ولا يقبض، ولا يبسط"٣.
ذكر عن جهم أنه: أنكر أن يكون الله على العرش، وأنكر الكرسي، وأنكر النزول، والرؤية والوجه، والسمع والبصر، والتكلم واليد وغير ذلك٤.
ومن ذلك ما ذكره الشهرستاني، قال: "وافق٥- أي: جهم- المعتزلة في نفي الصفات الأزلية وزاد عليهم بأشياء:
_________________
(١) ١ ١٠٤- ١٠٥. ٢ انظر: المقالات ١/ ٣٣٨. ٣ انظر: التنبيه والرد ٩٦- ٩٨. ٤ راجع التنيه والرد ص ٩٩- ١٣٥. ٥ الحق أن جهمًا تقدم المعتزلة ي القول في الأسماء والصفات، والمعتزلة هم الذين واقفوه في بعض قوله وأخذوا عنه نفي الصفات. فتنبه.
[ ٣١١ ]
منها: لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقة؛ لأن ذلك يقضي تشبيهًا فنفي كونه حيًا عالمًا، وأثبت كونه قادرًا فاعلًا خالقًا؛ لأنه لا يوصف شيء من خلقه بالقدرة والفعل والخلق"١.
ومن ذلك ما ذكره السمعاني في "الأنساب"؛ حيث قال في ترجمة جهم: "والمنكر في عقيدته كثير، وأفظعها كان يزعم أن الله ﷿ لا يوصف بأنه شيء، ولا بأنه حي عالم ولا يوصف بما يجوز إطلاق بعضه على غيره، وزعم أن تسميته شيئًا، وتسمية غيره شيئًا، توجب التشبيه بينه وبين غيره، وكذلك تسميته حيًا وعالمًا، وتسمية غيره بذلك توجب التشبيه بينه وبين من سمى بذلك من المخلوقين.
وأطلق عليه اسم القادر؛ لأنه - أي: الجهم- لا يسمى أحدًا من المخلوقين قادرًا من أجل نفيه استطاعة العباد واكتسابهم.
قال: وفي هذا القول إبطال أكثر ما ورد به القرآن من أسماء الله تعالى، كالعليم، والحي، والبصير، والسميع، ونحو ذلك؛ لأن كل واحد من هذه الأسماء قد يسمى به غيره فيلزمه أن لا يسمى إلهه إلا باسم ينفرد به كالإله والخالق والرزاق ونحو ذلك، ويرد أسماءه حينئذ إلى عدد قليل"٢.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا كان جهم وأمثاله يقولون: إن الله ليس بشيء، وروى أنه قال: لا يسمى باسم يسمى به الخلق؛ فلم يسمه إلا بالخالق القادر؛ لأنه كان جبريًا يرى أن العبد لا قدرة له"٣.
من هذه النقول يتضح لنا مذهب جهم الذي يدور على:
_________________
(١) ١ انظر: الملل والنحل ١/ ٨٦.٣ ٢ انظر: الأنساب ٢/ ١٣٣. ٣ انظر: منهاج السنة ٢/ ٥٢٦.
[ ٣١٢ ]
١- نفي كل اسم أو صفة يجوز أن يسمى أو يتصف بها غير الله.
٢- إثبات اسم القادر والخالق؛ لأنه لا قادر ولا خالق غيره ولا يسمى بها أحد من خلقه.
٣- إنكار رؤية الله ﷿ في الآخرة.
٤- القول بخلق القرآن.
٥- أن شبهته الرئيسية التي من أجلها قال بكل ذلك: نفي التشبيه؛ إذ يرى أن تسميته أو صفه بشيء يسمى به أو يوصف به غيره. تشبيه له سبحانه بالمخلوقات؛ فلما قام في قلبه التشبيه نزع إلى النفي والتعطيل.
_________________
(١) ١ انظر: الرد على الزنادقة ١٠٤- ١٠٥.
[ ٣١٣ ]