هم مثبتة الأسماء ونفاة الصفات وهؤلاء هم المعتزلة.
أحذ المعتزلة عن الجهمية القول بنفي الصفات، والقول بخلق القرآن ونفي رؤية الله ﷿ في الآخرة.
وقد أشار الإمام أحمد ﵀ إلى أن بعض أصحاب "عمرو بن عبيد" أحد رؤوس الآعتزال كما هو معلوم، -وقد تبع جهم بن صفوان على مقالته وأخذ عنه١.
وكان بين جهم وواصل بن عطاء٢ زعيم المعتزلة الأولى مكاتبات٣. وقد أخذ بشر المريسي، المعتزلي مقالة الجهم بن صفوان واحتج لها، وجرد القول
_________________
(١) ١ انظر: الرد على الزنادقة ١٠٤- ١٠٥. ٢ وهو: واصل بن عطاء، يكنى بأبي حذيفة، ويلقب بالغزال، ولم يكن غزالًا؛ وإنما كان يلازم الغزالين، له مصنفات في الرد على مخالفية، مات سنة ١٣١ وعمره ٥١ عامًا. انظر: المنية والأمل ص ١٧ ٢١، وانظر: ميزان الاعتدال ٤/ ٣٢٩. ٣ انظر: ابن المرتضى، المنية والأمل ص ٢١، "نشر: دار صادر".
[ ٣١٣ ]
بخلق القرآن وناظر عليه١.
إذًا فهناك اتصال بين أقطاب التجهم وبين رواد الاعتزال، على إثره انتقلت بعض أفكار الجهمية ومذاهبهم إلى المعتزلة الذين تبنوها ودافعوا عنها؛ حتى أصبح يطلق عليهم الجهمية أيضًا لشدة تأثرهم بمقولة جهم وأتباعه؛ ولا سيما في نفي الصفات، والرؤية، والقول بخلق القرآن، قال القاسمي: "إن تلقيبهم -أي: المعتزلة- بالجهمية إنما كان لما وجد من موافقتهم للجهمية في تلك المسائل -أي: نفي الرؤية والصفات- مع مراعاة سبقهم فيها على المعتزلة، وتمهيدهم السبيل للتوسع فيها -قال- فاحفظه"٢.
وهذه بعض النقول التي استقيناها من كتب القوم، وكتب الفرق والمقالات التي دونت أقوالهم ومذاهبهم، والتي تبين رأيهم ومعتقدهم في باب أسماء الله وصفاته.
يقول ابن المرتضى المعتزلي في بيان ما أجمعت عليه المعتزلة: "وأما ما أجمعوا عليه فقد أجمعت المعتزلة على أن للعالم محدثًا، قديمًا، قادرًا، عالمًا، حيًا، لا لمعان، ليس بجسم، ولا عرض، ولا جوهر عينًا واحدًا لا يدرك بحاسة"٣.
وقوله: "لا لمعان"؛ معناه: أنهم يثبتون كونه ﷿ قادرًاِ، عالمًا، حيًا، أسماء مجردة لا تدل على صفات؛ فهو قادر بدون قدرة، عالم بلا علم حي بلا حياة. يوضح هذا:
قول الشهرستاني: "والذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد: القول: بأن الله تعالى قديم والقدم أخص وصف ذاته، ونفوا الصفات القديمة أصلًا فقالوا:
_________________
(١) ١ راجع: ميزان الاعتدال ١/ ٣٢٢. ٢ انظر: تاريخ الجهمية والمعتزلة ص ٦٠. ٣ المنية والأمل ص ٦.
[ ٣١٤ ]
هو عالم بذاته، حي بذاته، لا يعلم وقدرة وحياة. هي صفات قديمة ومعان قائمة به؛ لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص لشاركته في الإلهية.
واتفقوا على: أن كلامه محدث في محل. واتفقوا على أن الإرادة، والسمع والبصر ليست معاني قائمة بذاته. واتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار"١.
وقال السكسكي: "وقد اجتمعت -أي: المعتزلة- على نفي الصفات عن الله ﷿، وتعالى عن قولهم، كالعلم والقدرة والسمع والبصر"٢.
وهذا القول مما أسس عليه الكيان المعتزلي؛ فقد "كان شيخهم الأول -واصل ابن عطاء- يشرع فيها على قول ظاهر، وهو الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليين، قال: ومن أثبت معنى صفة قديمة فقد أثبت إليهن"٣.
لذلك كان من أولى قواعد مذهبه: نفي الصفات بناء على رأيه هذا.
_________________
(١) ١ انظر: الملل والنحل ١/ ٤٤- ٤٥. ٢ انظر: البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص ٥٠، "ط. الأولى ١٤٠٨، نشر: مكتبة المنار - الأردن". ٣ انظر: الشهرستاني، الملل والنحل ١/ ٤٦.
[ ٣١٥ ]