سابعًا: موقف علماء أهل السنة من دعوى الأشاعرة أنهم أهل السنة
بتتبع كلام أهل العلم من علماء أهل السنة نجد أقوالهم في ذلك متفاوتة ما بين متشدد، دعاه لذلك ما وقف عليه من مخالفة القوم للسنة، وموافقتهم للجهمية والمعتزلة في بعض أقوالهم؛ فبدعهم وحذر منهم ولم ير استحقاقهم للقب "أهل السنة" الذي يدعونه.
وبين متساهل يعدهم من أهل السنة، لما رأى من موافقتهم للسنة في بعض المسائل.
وبين هؤلاء وهؤلاء حاول بعض من أهل العلم التدقيق في المسألة والقول فيها بشيء من التفصيل.
وفرق بعض أهل العلم بين متقدميهم ومتأخريهم؛ فعد المتقدمين منهم أقرب إلى أهل الحديث والسنة، المتأخرين أقرب إلى الجهمية والمعتزلة.
وإليك تفصيل أقوالهم مرتبة حسب التصنيف ألذي ألمحنا إليه:
القول الأول:
قول بعض أهل العلم: أن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة وإنما هم أهل كلام، عدادهم في أهل البدعة.
وممن ذهب إلى ذلك: الإمام أبو نصر السجزي١ "ت ٤٤٤ هـ"؛ حيث يرى أنهم محدثة وليسوا أهل السنة؛ فيقول في فصل عقده لبيان السنة ما هي؟ وبم يصير المرء من أهلها؟
"فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله، فإن أتى بذلك علم صدقه، وقيل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف، علم أنه محدث زائغ، وأنه لا يستحق أن يصغي إليه أو ينظر في قوله، وخصومنا المتكلمون معلوم منهم أجمع اجتناب النقل والقول به بل تمحينهم لأهله ظاهر، ونفورهم عنهم بين، وكتبهم عارية عن إسناد بل يقولون: قال الأشعري، وقال ابن كلاب، وقال القلانسي، وقال الجبائي.
_________________
(١) ١ تقدمت له ترجمة ص ٦٢.
[ ٧٧ ]
ومعلوم أن القائل بما ثبت من طريق النقل الصحيح عن الرسول ﷺ لا يسمى محدثًا؛ بل يسمى سنيًا متبعًا، وأن من قال في نفسه قولًا وزعم أنه مقتضي عقله، وأن الحديث المخالف لا ينبغي أن يلتفت إليه؛ لكونه من أخبار الآحاد، وهي لا توجب علمًا، وعقله موجب للعلم يستحق أن يسمى محدثًا مبتدعًا، مخالفًا، ومن كان له أدنى تحصيل أمكنه أن يفرق بيننا وبين مخالفينا يتأمل هذا الفصل في أول وهلة، ويعلم أن أهل السنة نحن دونهم، وأن المبتدعة خصومنا دوننا"١.
بل يذهب ﵀ أبعد من ذلك فيرى أن ضررهم أكثر من ضرر المعتزلة؛ فيقول: "ثم بلي أهل السنة بعد هؤلاء -أي: المعتزلة- بقوم يدعون أنهم من أهل الاتباع، وضررهم أكثر من ضرر المعتزلة وغيرهم وهم أبو محمد بن كلاب وأبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري"٢.
معللًا رأيه هذا بقوله: "فهؤلاء يردون على المعتزلة بعض أقاويلهم ويردون على أهل الأثر أكثر مما ردوه على المعتزلة"٣، وقوله: "لأن المعتزلة قد أظهرت مذهبها ولم تستقف٤ ولم تموه".
بل قالت: إن الله بذاته في كل مكان وإنه غير مرئي، وأنه لا سمع له ولا بصر؛ فعرف أكثر المسلمين مذهبهم وتجنبوهم وعدوهم أعداء. والكلابية، والأشعرية قد أظهروا الرد على المعتزلة، والذب عن السنة وأهلها، وقالوا في
_________________
(١) ١ انظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت ص١٠٠- ١٠١ وانظر: ص٦٢ من هذه الرسالة. ٢ نفس المصدر ٢٢٢. ٣ نفس المصدر ٢٢٣. ٤ الاستقفاء: الإتيان من الخلف يقال: اقتفيته بالعصا، واستقفيته ضربت قفاه بها. انظر: لسان العرب ١٥/ ١٩٣.
[ ٧٨ ]
القرآن وسائر الصفات ما ذكرنا بعضه١"٢.
وممن عدهم من أهل البدع محمد بن أحمد بن خويز منداد المصري المالكي٣؛ فقد روى عنه ابن عبد البر: أنه قال في كتاب الشهادات من كتابه "الخلاف"، في تأويل قول مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء٤ قال: "أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام؛ فكل متكلم فهو
_________________
(١) ١ يشير ﵀ إلى ما ذكره عنهم من قولهم في القرآن: إن الله تكلم به بلا أحرف ولا صوت، وتأويلهم للصفات كالاستواء والنزول والفوقية وغير ذلك. انظر مثلًا ص "٨٢، ١٠٦، ١٠٧، ١٧٣"، وما بعدها من رسالة "الرد على من أنكر الحرف والصوت". ٢ الرد على من الحرف والصوت ص١٧٧، ١٧٨. ٣ قال ابن فرحون: هو محمد بن أحمد بن عبد الله ورأيت على كتبه بخطه: محمد بن أحمد بن علي بن إسحاق، تفقه على الأبهري، وله كتاب كبير في الخلاف. وكان بجانب الكلام، وينافر أهله، حتى يؤدي ذلك إلى منافرة المتكلمين من أهل السنة، ويحكم على الكل منهم بأنهم من أهل الأهواء الذين قال مالك: في مناكحتهم وشهادتهم وإمامتهم وتنافرهم ما قال. الديباج المذهب، "بتحقيق د. محمد الأحمدي أبو النور، نشر: دار التراث بالقاهرة"، ٢/ ٢٢٩. ٤ في قبول شهادة أهل الأهواء والبدع أوردها عدة أقوال لأهل العلم ملخصها ما يلي: أولًا: من عرف من أهل البدع بالكذب واستحلال شهادة الزور على الخصوم فترد شهادته باتفاق، وذلك كغلاة الروافض كما قال الإمام الشافعي فيما رواه البيهقي: "أجيز شهادة أهل الأهواء كلهم؛ إلا الرافضة فإنه يشهد بعضهم لبعض"، وقال: "لم أر أشهد بالزور من الرافضة". ثانيًا: أما سائر أهل الأهواء ففي قبول شهادتهم ثلاثة أقوال:
(٢) القبول مطلقًا.
(٣) الرد مطلقًا.
(٤) تقبل إذ لم يكن المبتدع داعية لبدعته، وترد إذا كان داعية إلى ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا القول هو الغالب على أهل الحديث لا يرون الرواية عن الداعية إلى البدع ولا شهادته". راجع في هذا: منهاج السنة ١/ ٦٢، ط. جامعة الإمام، وسنن البيهقي ١٠/ ٥٢- ٥٣، وشرح السنة للبغوي ١/ ٢٢٨.
[ ٧٩ ]
من أهل الأهواء والبدع أشعريًا كان أو غير أشعري، ولا تقبل لها شهادة في الإسلام أبدًا، ويهجر ويؤدي على بدعته"١.
ومن المتأخرين: الشيخ ابن سحمان٢، والشيخ عبد الله أبو بطين٣ كما سيأتي ذكر قولهما في ذلك في معرض ردهما على السفاريني في اعتباره الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة.
_________________
(١) ١ انظر: جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١١٧ "ط. الثانية ١٣٨٨، نشر: المكتبة السلفية بالمدينة المنورة". ٢ وهو: سليمان بن مصلح بن حمدان الخثعمي العسيري أصلًا ومولدًا، ولد سنة ١٢٦٦ هـ ببلاد عسير، ثم رحل مع أبيه إلى نجد، وأخذ على علمائها، له عدة مصنفات في الدفاع عن العقيدة السلفية شعرًا ونثرًا، مات في الرياض سنة ١٣٤٩ هـ، انظر: عبد الله بن عبد الرحمن البسام، علماء نجد ١/ ٢٧٩- ٢٨١، "ط. الأولى عام ١٣٩٨. نشر: مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة بمكة. ٣ وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن أبو بطين. أحد أكابر علماء نجد ولي القضاء في عدة أماكن منها، له مصنفات وردود على المخالفين، منها: الفتاوى، وتأسيس التقديس في الرد على ابن جرجيس، ولد في روضة سدير عام ١١٩٤، وتوفي بعنيزة سنة ١٢٨٢ هـ. انظر: المصدر السابق ٢/ ٥٦٧.
[ ٨٠ ]