اعتبارهم من أهل الإثبات والتفريق بين أئمتهم المتقدمين ومتأخريهم.
وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يرى: أنهم يعدون من أهل الإثبات؛ لكونهم يثبتون بعض الصفات، وأنهم أقرب إلى أهل السنة من باقي الطوائف، على أنه يفرق بين أئمتهم المتقدمين وبين متأخريهم فعد المتقدمين أقرب إلى السلف وأهل السنة، وجعل المتأخرين أقرب إلى الجهمية والمعتزلة، لعظم موافقتهم لهم في كثير من أقوالهم.
يقول ﵀ في معرض كلامه عن درجات الجهمية: "وأما الدرجة الثالثة فهم: الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية؛ لكن فيهم نوع من التجهم كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة، لكن يردون طائفة من أسمائه وصفاته الخبرية، أو غير الخبرية ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها، ومن هؤلاء من يقر بصفاته الخبرية الواردة في القرآن دون الحديث كما عليه كثير من أهل الكلام.
ومنهم من يقر بالصفات الواردة في الأخبار أيضًا في الجملة لكن مع نفي وتعطيل لبعض ما ثبت بالنصوص وبالمعقول وذل كأبي محمد بن كلاب١، ومن أتبعه وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري٢ وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف، وهؤلاء إلى أهل السنة المحضة أقرب منهم إلى الجهمية والرافضة والخوارج، لكن انتسب إليهم طائفة هم إلى الجهمية أقرب منهم إلى أهل السنة المحضة. فإن هؤلاء ينازعون المعتزلة نزاعًا عظيمًا فيما يثبتونه من الصفات، وأما المتأخرون فإنهم والوا المعتزلة وقاربوهم وقدموهم
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته ص ٧٢. ٢ قبل رجوعه إلى مذهب السلف.
[ ٨٤ ]
على أهل السنة والإثبات وخالفوا أوليهم"١.
وقال في "شرح الأصفهانية": "وأن الأشعرية أقرب إلى السلف والأئمة وأهل الحديث. وقال: عن متأخري الأشاعرة: فإن كثيرًا من متأخري أصحاب الأشاعري خرجوا عن قوله إلى قول المعتزلة أو الجهمية أو الفلاسفة"٢.
والذي أراه أنه لا بد من التفصيل التالي في اعتبار الأشاعرة من أهل السنة أو إخراجهم عنهم، ولا يطلق عليهم أنهم أهل السنة أو من أهل السنة بإطلاق؛ لأنهم ليسوا على السنة المحضة في كثير من أمور السنة في الاعتقاد، ولا يطلق أنهم ليسوا من أهل السنة؛ لأنهم يدخلون في مسمى أهل السنة بالاعتبارات الآتية:
١- هم من أهل السنة: بالمعنى العام لمصطلح أهل السنة، والذي يدخل فيه جميع المنتسبين إلى الإسلام عدا الرافضة. كما تقدم لنا في مبحث تعريف أهل السنة.
٢- وهم من أهل السنة: في أمور العبادات والعمليات؛ لأن السنة تشمل أمور الاعتقاد والعبادة والأعمال. كما تقدم نقل قول شيخ الإسلام ابن تيمية وفيه: "ولفظ السنة في كلام السلف يتناول السنة في العبادات، وفي الاعتقادات"٣.
_________________
(١) ١ رسالة "التسعينية" ضمن المجلد الخامس من الفتاوى الكبرى ص ٤٠- ٤٢، "ط. كردستان العلمية بالقاهرة سنة ١٣٢٩". ٢ شرح الأصفهانية، "بتقديم: حسنين محمد مخلوف ص ٧٧- ٧٨، نشر: دار الكتب الحديثة بمصر". ٣ تقدم في مبحث تعريف السنة عند السلف ص ٣٢، ٣٣، ٦٢.
[ ٨٥ ]
والأشاعرة في أمور العبادات ليس لهم من الأقوال ما يخرجهم عن أهل السنة في الجملة١.
فبهذه الاعتبارات يعد: الأشاعرة من أِهل السنة.
ولكن لما كان اسم "أهل السنة" إذ أطلق فهم منه أمور العبادات والاعتقادات جميعًا؛ بل هو بأمور الاعتقاد أخص، كما قال شيخ الإسلام في معنى "أهل السنة": "وقد يراد به: أهل الحديث والسنة والمحضة، فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله، تعالى، ويقول القرآن غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، ويثبت القدر وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل الحديث والسنة"٢.
ورأينا الأشاعرة ليسوا على السنة المحضة في كل أبواب الاعتقاد، ومسائله التي ذكر الإمام أحمد طرفًا منها وبين أن من خالف فيها لا يعد من أهل السنة كما سيأتي فهل نقول: هم من أهل السنة؛ لأنهم وافقوا السنة في بعض أبواب ومسائل العقيدة، أم نسحب عنهم هذا الاسم لمخالفتهم للسنة في بعض المسائل والأبواب؟ هذا مناط الخلاف في كونهم من أهل السنة أوليسوا من أهلها.
فمن تغاضى عن المسائل التي خالفوا فيها أهل السنة، قال هم من أهل السنة؛ لأنهم من أهل السنة قال هم من أهل السنة؛ لأنهم من أهل السنة في أبواب العبادات ولم يخرجوا عن اعتقاد أهل أهل السنة في كل أبواب الاعتقاد. وعلى هذا يخرج عد السفاريني وغيره إياهم من أهل السنة.
_________________
(١) ١ أقوال في الجملة؛ لأن بعض أئمتهم ولا سيما المتأخرين منهم: ابتلوا بشيء من الابتداع في العبادات، وأغرق بعضهم في التصوف المنحرف؛ فابتعدوا عن السنة والإتباع في العبادات أيضًا كما ابتعدوا عنها في مسائل الاعتقاد. ٢ وانظر: منهاج السنة ٢/ ١٦٣.
[ ٨٦ ]
ومن رأى أنه لا يستحق اسم "أهل السنة" إلا من وافق السنة في أمور العبادات والاعتقادات، ومن خالف مذاهب أهل السنة وسلف الأمة في شيء من ذلك ولا سيما في أبواب الاعتقاد؛ فإنه لا يستحق اسم "أهل السنة".
قال: ليس الأشاعرة من أهل السنة، وعلى هذا يخرج قول من قال: ليسوا من أهل السنة كالإمام السجزي والشيخ بابطين وغيرهما.
وربما وجد ما يؤيد هذا الاتجاه في كلام أئمة السلف؛ حيث عدد كثير منهم مسائل الاعتقاد التي يكون المرء إذا استكملها من أهل السنة، وإن أخل بشيء منها؛ فليس هو من أهل السنة، وذلك مثل:
قول الإمام أحمد: "هذه مذاهب أهل العلم، وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروتها المعروفين بها، المقتدي بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت من علماء الحجاز، والشام وغيرهما عليها؛ فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب أو طعن فيها، أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع وخارج عن الجماعة زايل عن منهج السنة وسبيل الحق؛ فكان قولهم: إن الإيمان قول وعمل ونية وتمسك بالسنة، والإيمان يزيد وينقص"١، ثم ذكر جملة اعتقاد أهل السنة.
وقول علي بن المديني: "السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها، أو يؤمن بها لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره ثم تصديق الأحاديث والإيمان بها. إلى آخر الاعتقاد"٢.
وقول عبد الله بن المبارك: "أصل اثنين وسبعين هوى: أربعة أهواء فمن هذه الأربعة الأهواء تشعبت الاثنان وسبعون هوى القدرية، والمرجئة والشيعة والخوارج.
_________________
(١) ١ السنة ص ٣٣. ٢ اللالكائي، شرح أصول أهل السنة ١/ ١٦٥.
[ ٨٧ ]
فمن قدم أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا على أصحاب رسول الله ﷺ ولم يتكلم في الباقين إلا بخير ودعا لهم؛ فقد خرج من التشيع أوله وآخره.
ومن قال: الإيمان قول وعمل يزيد يونقص فقد خرج من الأرجاء أوله وآخره.
ومن قال الصلاة خلف كل بر وفاجر، والجهاد مع كل خليفة، ولم ير الخروج على السلطان بالسيف ودعا لهم بالصلاح؛ فقد خرج من قول الخوارج أوله وآخره.
ومن قال: المقادير كلها من الله ﷿ خيرها وشرها يضل من يشاء ويهدي من يشاء؛ فقد خرج من قول القدرية أوله وآخره، وهو صاحب سنة"١.
وقول: عبيد الله بن بطة العكبري: "ونحن ذاكرون شرح السنة ووصفها، وما هي في نفسها، وما الذي إذا تمسك به العبد ودان الله به سمى بها واستحق الدخول في جملة أهلها، وما إن خالفه أو شيئًا منه دخل في جملة من عبناه وذكرناه وحذر منه من أهل البدع والزيع؛ فما أجمع على شرحنا له أهل الإسلام وسائر الأمة منذ بعث الله نبيه ﷺ وقتنا هذا، ثم ذكر الإيمان والات والقدر وغيرها من أمور الاعتقاد"٢.
فكلام هؤلاء الأئمة المعتبرين المقتدى بهم صريح في أن أحدًا لا يرقي ولا يتأهل لحمل لقب "صاحب سنة" أو أنه "من أهل السنة"؛ إلا إذا تحققت فيه خصال السنة التي أجمعوا عليها.
أما من رأى من أهل العلم أن من خالف السنة في باب من أبواب الاعتقاد
_________________
(١) ١ ابن أبي يعلى، طبقات الحنابلة ٢/ ٤٠. ٢ الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة ١٧٥- ١٧٦.
[ ٨٨ ]
ووافقها في باب آخر فهو من أهل السنة فيما وافق فيه السنة، وليس منهم فيما خالفهم فيه؛ وذلك من باب أن المرء يمدح بقدر ما فيه من موافقة السنة، ويذم بقدر ما فيه من مخالفتها، وأن إخراج قوم من مسمى "أهل السنة"؛ لأنهم خالفوا السنة في باب دون باب، فيه مجانية للعدل والإنصاف، من رأى هذا الرأي قال مثلًا: الأشاعرة من أهل السنة في أبواب الإيمان والعقيدة التي لم يخالفوهم فيها، وليسوا منهم في باب الصفات وما خالفوا فيه.
والذي أميل إليه: أن لا يقال: "الأشاعرة من أهل السنة" إلا بقيد، فيقال: هم من أهل السنة في كذا، في الأبواب التي لم يخالفوا فيها مذهب أهل السنة.
لأننا إذا أطلقنا القول بأنهم من "أهل السنة" التبس الأمر وظن من لا دراية له بحالهم أنهم على مذهب أهل السنة والسلف في كل خصال السنة، والواقع أنهم ليسوا كذلك؛ بل في أقوالهم ما يخالف السنة في كثير من أبواب الاعتقاد؛ فليسوا على السنة المحضة في كل اعتقاداتهم.
وإذا أطلقنا القول بأنهم ليسوا من أهل السنة، كان ذلك حكمًا بأنهم خالفوا السنة في كل أبواب الاعتقاد، والأمر ليس كذلك فقد وافقوا أهل السنة في أبواب الصحابة والإمامة وبعض السمعيات.
فالعدل والإنصاف يقتضي أن يحكم على كل بما يستحق على ضوء ما رضي لنفسه من قول واختط من نهج.
والله تعالى أعلم.
[ ٨٩ ]