تقدم لنا في أول الباب١: أن الخيرية أحد المعاني المثبتة لهذه الأمة في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ٢؛ فسرها بذلك الحافظ ابن كثير وغيره.
وقد نص الله ﵎ على خيريتها فيقول ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٣.
وقال ﷺ في تفسير هذه الآية: "إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله" ٤.
_________________
(١) ١ انظر: ص١٦١. ٢ سورة البقرة آية ١٤٣. ٣ سورة آل عمران آية ١١٠. ٤ ت: تفسير سورة آل عمران ٥/ ٢٢٦، ح ٣٠٠١، وقال: "هذا حديث حسن". جه: زهد، باب صفة أمة محمد ﷺ ٢/ ١٤٣١، ح ٤٢٨٨. وقال الألباني: حسن صحيح ابن ماجه ٢/ ٤٢٦. وقال الحاكم في المستدرك: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذبي ٤/ ٨٤، وقال الحافظ ابن حجر: "وهو حديث حسن صحيح"، وذكر من أخرجه. انظر: الفتح ٨/ ٢٢٥.
[ ٢٠٥ ]
وفي حديث آخر قال ﷺ: "أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء؛ فقلنا: يا رسول الله! ما هو؟ قال: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل التراب لي طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم" ١.
فهذه النصوص تدل على ثبوت عموم الخيرية لعموم هذه الأمة، وإن كان قد وردت بعض الآثار تدل على أن المراد: الصحابة أو بعضهم؛ ولكن كلها آثار موقوفة أو مقطوعة، ذكرها الإمام ابن جرير الطبري٢، ثم رجع أن المراد عموم الأمة؛ فقال عقب ذكره قول الحسن: "نحن آخرها وأكرمها" "وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قال الحسن"٣، ثم ذكر حديث بهز بن حكيم المتقدم٤. كذا رجح ابن كثير حمل الآية على العموم فقال: "والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم"٥.
ورجح ذلك الحافظ ابن حجر أيضًا٦:
وما رجحه هؤلاء الأئمة هو الحق؛ فإن النصوص الصحيحة صريحة في العموم، وما جاء من الآثار في تخصيص ذلك ببعض الأمة كالصحابة أو بعضهم، لا يقوى على ذلك إذ ليس شيء منها مرفوعًا.
_________________
(١) ١ حم: ١/ ٩٨، من حديث علي بن أبي طالب ﵁. وحسنه الحافظ ابن حجر ٨/ ٢٢٥، وقال ابن كثير: تفرد به أحمد من هذا الوجه، وإسناده حسن" ٢/ ٧٨، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. انظر: المسند بشرح أحمد شاكر ٢/ ١١٣، الثالثة، وعمدة التفسير ٣٢/ ٢١. ٢ انظر: التفسير ٧/ ١٠٠- ١٠٤. ٣ نفس المصدر والجزء ص ١٠٤. ٤ وهو قوله ﷺ: "إنكم تتمون سبعين أمة". ٥ تفسير القرآن العظيم ٢/ ٧٧. ٦ انظر: فتح الباري ٨/ ٢٢٥.
[ ٢٠٦ ]
وعلى فرض أنها نزلت في الصحابة أو بعضهم؛ فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر في علم أصول التفسير.
على أن الصحابة رضوان الله عليهم أول الداخلين في هذا العموم؛ إذ هم خير هذه المة بعد نبيها ﷺ، كما يدل عليه قوله ﷺ: "خير أمتي قرني" ١ فهم، خيار الخيار، وهم الصفوة الأخيار.
إشكال وجوابه:
قد يشكل على البعض ما ورد من تفضيل الله ﷿ بني إسرائيل على العالمين، واختياره لهم، في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِين﴾ ٢، وقوله: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِين﴾ ٣؛ فكيف تكون هذه الأمة خير الأمم، مع كون بني إسرائيل أفضل العالمين؟
ويزول الإشكال إذا علمنا أن المراد: بـ "العالمين" من قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِين﴾، هم عالم زمانهم، وليس جميع العالمين الذين خلقهم الله، أخرج ابن جرير ﵀ عن قتادة٤ في قوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِين﴾، قال: "فضلهم على عالم ذلك الزمان"٥، كما أخرج أيضًا عن أبي العالية٦: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِين﴾ قال: "بما أعطوا من
_________________
(١) ١ تقديم تخريجه. انظر: ص٩٧. ٢ سورة البقرة آية ٤٧، وآية ١٢٢. ٣ سورة الدخان آية ٣٢. ٤ قتادة: هو ابن دعامة السدوسي. تقدمت له ترجمة، انظر: ص١٧٩. ٥ جامع البيان عن تأويل اي القرآن ٢/ ٢٤. ٦ أبو العالية هو: رفيع بن مهران، أبو العالية الرياحي، ثقة كثير الإرسال. مات سنة تسعين وقيل: ثلاث وتسعين، وقيل: بعد ذلك، ابن حجر: تقريب ١/ ٢٥٢.
[ ٢٠٧ ]
الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان؛ فإن لكل زمان عالمًا"١ وكذا من مجاهد٢: "قال: على من بين ظهرانيه"٣.
وإلى هذا المعنى ذهب ابن جرير٤، وابن كثير٥ في تفسير الآية.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀في الجواب عن هذا الإشكال: "قوله تعالى لبني إسرائيل: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ لا يعارض قوله تعالى في تفضيل هذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية؛ لأنه المراد بالعالمين عالموا زمانهم بدليل الآيات والأحاديث المصرحة بأن هذه الأمة أفضل منهم، كحديث معاوية بن حيدة القشيري٦ في "المسانيد" و"السنن"؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله" ٧.
ألا ترى أن الله جعل المقصتد منهم هو أعلاهم منزلة؛ حيث قال: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ ٨، وجعل في هذه الأمة درجة أعلى من درجة المقتصد وهي درجة السابق بالخيرات؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ
_________________
(١) ١ جامع البيان ٢/ ٢٤. ٢ مجاهد هو: ابن جبر "بفتح الجيم وسكون الموحدة"، أبو الحجاج المخزومي مولاهم ثقة، إمام في التفسير وفي العلم. مات سنة ١، ٢، ٣، ١٠٤ هـ، وله ثلاثة وثمانون سنة. ابن حجر، التقريب ٢/ ٢٢٩. ٣ جامع البيان ٢/ ٢٤. ٤ جامع البيان ٢/ ٢٤. ٥ تفسير القرآن المعظم ١/ ١٢٦. ٦ وهو: معاوية بن حيدة بن معاوية بن كعب القشيري، صحابي، نزل البصرة، ومات بخراسان، وهو جد بهز بن حكيم. انظر: ابن حجر، القريب ٢/ ٢٥٩. ٧ حم ٤/ ٤٤٧. وانظر: ص ٢٠٥. ٨ سورة المائدة آية ٦٦.
[ ٢٠٨ ]
مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ ١، ٢.
وهذه استدلال لطيف على تقدم هذه الأمة على بني إسرائيل في الفضل ألمح إليه الحافظ ابن كثير ﵀ ﷺ تعالى في تفسيره قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُون﴾؛ حيث قال: "فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو أوسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ " ٣.
_________________
(١) ١ سورة فاطر آية ٣٢. ٢ انظر: دفع إبهام الاضطراب عن آيات الكتاب ص٢١. ٣ تفسير القرآن العظيم ٣/ ١٤٠- ١٤١.
[ ٢٠٩ ]