المراد بالأسماء: أسماء الدين مثل مؤمن، ومسلم، وكافر، وفاسق.
والمراد بالأحكام: أحكام هؤلاء في الدنيا والآخرة١؛ أي: أحكام أصحاب هذه الأسماء٢.
فقد تنازع الناس في "مرتكب الكبيرة المليء" ماذا يسمى؟ أهو مؤمن؟ أم كافر؟ أم فاسق؟ أم منافق؟ وما حكمه في الدنيا؟ بنا على ذلك، وما هو حكمه في الآخرة؟ وافترقوا في ذلك إلى: طرفين، وواسطية.
فالخوارج، والمعتزلة في طرف.
وطوائف المرجئة في الطرف المقابل.
وأهل السنة: وسط بين الطرفين.
واختلافهم في ذلك مبني على اختلافهم في حقيقة الإيمان الواجب؛ لذا فإنا قبل عرض أقوالهم واختلافهم في اسم صاحب الكبيرة وحكمه، صنعرض بإيجاز لأقوالهم في تعريف الإيمان، وحقيقته عند كل منهم، وما بين مذاهبهم من فروق، وما فارقهم به أهل السنة، وامتازوا به عنهم من قول.
تعريف الإيمان:
أولًا: عند أهل السنة والخوارج والمعتزلة:
ذهب كل من أهل السنة، والخوارج، والمعتزلة إلى أن الإيمان يتألف من
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية، الفتاوى ١٣/ ٣٨. ٢ انظر: صالح الفوزان العقيدة الواسطية ص١٢٦، "ط. الرابعة ١٤٠٧ هـ، نشر: مكتبة المعارف - الرياض".
[ ٣٣٤ ]
ثلاثة أمور:
١- المعرفة والتصديق بالقلب.
٢- الإقرار والنطق باللسان.
٣-- العمل بالجوارح١.
ثم فارق كل من الخوارج، والمعتزلة أهل السنة بقولهم: إن الإيمان كل لا يتجزأ ولا يتبعض، وهو العمل بكل مأمور، وترك كل محظور، والذنوب لا تجامع الإيمان؛ بل تنافيه وتفسده كما يفسد الأكل والشرب الصيام؛ فمتى ذهب بعضه بارتكاب شيء منها ذهب كله؛ ولهذا قالوا: بسلب الإيمان عن أصحاب الكبائر كما سيأتي.
ثم قالت الخوارج: يكون العاصي كافرًا.
وقالت المعتزلة: لا نسميه مؤمنًا ولا كافرًا بل هو في منزلة بينهما٢، كما سيأتي.
ثانيًا: عند المرجئة:
المرجئة ثلاثة أصناف:
الصنف الأول:
قالوا: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، كالمحبة، والخضوع، ومنهم من لا يدخلها فيه، ويرى أنه مجرد المعرفة بالقلب فقط وهو قول جهم.
وهذا الصنف: هم الذين يطلق عليهم المرجئة الخالصة، وهم الذين
_________________
(١) ١ انظر: ابن حزم، المفصل ٣/ ١٨٨. ٢ انظر: ابن تيمية، الفتاوى ١٢/ ٤٧٠.
[ ٣٣٥ ]
قالوا: "لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة"١.
الصنف الثاني:
قالوا: الإيمان مجرد قول اللسان فقط وهؤلاء هم الكرامية٢.
قال شيخ الإسلام: "وهذا القول لا يعرف لأحد قبل الكرامية"٣.
والصنف الثالث:
مرجئة الفقهاء كأبي حنيفة وغيره: قالوا: الإيمان تصديق القلب وقول اللسان٤.
قول الأشاعرة في تعريف الإيمان:
أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الأشعري نصر قول جهم في الإيمان؛ حيث قال عقب ذكره قول جهم السابق في الإيمان، وأنه المعرفة: "وهذا الذي نصره هو -أي: الأشعري- وأصحابه"٥.
قلت: أما الأشعري، فقوله في كتاب "الإبانة" يدل على رجوعه عن ذلك؛ فإنه يقول: "و-نؤمن- أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص"٦.
وأما أصحاب الأشعري، والأشاعرة بعامة: فقول جمهورهم: أن الإيمان
_________________
(١) ١ انظر: الشهرستاني، الملل والنحل ١/ ١٣٩. ٢ الكرامية: هم أصحاب محمد بن كرام السجستاني، ت ٢٥٥ هـ. انظر: الملل ١/ ١٠٨ ح. وانظر: الأشعري، المقالات ١/ ٣٢٣. ٣ الفتاوى ٧/ ١٩٥. ٤ هذا التقسيم لطوائف المرجئة وأقوالهم في الإيمان مأخوذ بتصرف عن الفتاوى، لشيخ الإسلام ٧/ ١٩٥. ٥ انظر: الفتاوى ٧/ ١٩٥٣. ٦ انظر: الإبانة ٢٧.
[ ٣٣٦ ]
هو التصديق١، وزاد بعضهم: نطق اللسان، لتحقق الإيمان ظاهرًا.
يقول الباقلاني: "فإن قال قائل: خبرونا ما الإيمان عندكم؟ قلنا: الإيمان هو التصديق بالله تعالى، وهو العلم، والتصديق يوجد بالقلب"٢، يوضحه قوله في حد الكفر: "وإن قال قائل: ما الكفر عندكم؟ قيل له: هو ضد الإيمان، وهو الجهل بالله ﷿، والتكذيب به السائر لقلب الإنسان عن العلم به؛ فهو كالمغطي عن معرفة الحق"٣.
ويقول الجويني: "والمرضي عندنا أن حقيقة الإيمان التصديق بالله تعالى فالمؤمن بالله من صدقه، ثم التصديق على التحقيق كلام النفس، ولكن لا يثبت إلا مع العلم"٤.
وهذا القول فيه شائبة من قول جهم ويفضي إليه بوجه، ولهذا قال شيخ الإسلام فيهم ما قال.
وللجويني قول آخر يرى فيه: أن من صدق بقلبه ولم ينطق بلسانه جحودًا أنه ليس بمؤمن، وإن لم ينطق به من غير جحود فهو مؤمن باطنًا، وإن نطق فهو مؤمن ظاهرًا وباطنًا. يقول: "والمؤمن على التحقيق: من انطوى عقدًا على المعرفة بصدق من أخبر عن صانع العالم، وصفاته وأنبيائه فإن اعترف بلسانه ما عرف بجنانه؛ فهو مؤمن ظاهرًا وباطنًا، وإن لم يعترف بلسانه معاندًا، لم ينفعه علم قلبه"٥.
_________________
(١) ١ انظر: أحمد عطية، الإيمان بين السلف والمتكلمين ص ١٢٩ رسالة ماجستير مطبوع على الآلة الكاتبة. ٢ التمهيد ٣٤٦. ٣ التمهيد ٣٤٨. ٤ انظر: الإرشاد ٣٩٧. ٥ انظر: العقيدة النظامية ٨٥.
[ ٣٣٧ ]
الفرق بين قول الخوارج والمعتزلة والمرجئة الخالصة وبين قول أهل السنة:
من خلال أقوال كل من الخوارج والمعتزلة، والمرجئة الخالصة. نلاحظ: أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا لا يتبعض ولا يتجزأ؛ فهو عند الخوارج والمعتزلة: مجموع: التصديق القلبي، والنطق اللساني، والعمل بالجوارح، وهو فعل الطاعات وترك المعاصي.
وإذا ذهب بعضه باترتكاب كبيرة ذهب كله.
وهو عند المرجئة الخالصة مجرد المعرفة، والأعمال ليست منه.
أما أهل السنة فإنهم -وإن اتفقوا مع الخوارج والمعتزلة في تعريف الإيمان لكنهم- يرون أنه يتبعض ويتجزأ، ويزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهذا فرق ما بينهم وبين أولئك، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عليه: وأصل قول أهل السنة الذي فارقوا به الخوارج والجهمية والمعتزلة والمرجئة: أن الإيمان يتفاضل ويتبعض كما قال النبي ﷺ: "من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان" ١"٢.
وأما أولئك فإنه لما كان الإيمان عندهم لا يتبعض، قال الخوارج والمعتزلة: من فعل ذنبًا زال بعض الإيمان فيزول كله فيخلد صاحبه في النار.
وقالت الجهمية: قد علمنا أنه ليس يخلد في النار، وأنه ليس كافرًا مرتدًا بل هو من المسلمين، وإذا كان من المسلمين وجب أن يكون مؤمنًا تام الإيمان ليس معه بعض الإيمان؛ لأن الإيمان لا يتبعض عندهم٣.
_________________
(١) ١ خ: كتاب التوحيد، باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة، ١٣/ ٣٧٤، ح ٧٥١٠. ٢ انظر: الفتاوى ٣/ ٣٥٥. ٣ انظر: نفس المصدر ١٣/ ٥٠.
[ ٣٣٨ ]
وكل من الفريقين غالط فيما قال. والحق ما قال أهل السنة في ذلك.
وإذا تقرر لدينا قول كل من هذه الطوائف في الإيمان، فلنشرع في بيان قول كل منهم في اسم مرتكب الكبيرة، وحكمه في الدنيا، والآخرة، وهم في ذلك كما أشرنا في أول المبحث طرفان، وواسطة على النحو التالي:
أولًا: قول الطرف الأول "وهم الخوارج والمعتزلة":
أ- قول الخوارج:
يتخلص قول الخوارج في مرتكب الكبيرة في الأمور التالية:
- حكموا بخروجه من الإيمان، وسموه كافرًا، إلا فرقة النجدات١ منهم، ثم اختلفوا هل كفره كفر شرك أو كفر نعمة؟ على ما سيأتي.
- أن حكمه في الدنيا حكم الكفار، تجري عليه أحكامهم؛ فيكون حلال الدم والمال عند من قال: كفره، كفر شرك، وليس كذلك عند جعل كفره كفر نعمة أو نفاق.
- أما حكمه في الآخرة فإنه خالد في النار لا يخرج منها.
يقول أبو عمار عبد الكافي الإباضي "قبل ٥٧٠ هـ" وهو خارجي إباضي كما هو واضح من نسبته: "اختلف من أثبت الوعيد لأهل الكبائر في أسمائهم، وفي كبائرهم ما هي؟ بعد إجماعهم على ثبوت الوعيد لهم، ونفي التسمية عنهم بالإيمان.
فقال الصفرية٢: إن كبائرهم كفر شرك، وأسماءهم كفار مشركون
_________________
(١) ١ تقدم التعريف بهم ص٢٩١. ٢ الصفرية: فرقة من الخوارج، وهم أصحاب "زياد بن الأصفر"، وكانوا يرون أن مخالفيهم مشركون، السرة فيهم سرة أهل الحرب من المشركين. انظر: الأشعري، المقالات ١/ ١٨٢.
[ ٣٣٩ ]
محاربون كأهل حرب النبي ﷺ، تسفك دماؤهم، وتسبى ذراريهم، وتغنم أموالهم، وهم مع ذلك قد تورث أموالهم، وتنكح نساؤهم وتؤكل ذبائحهم، ويحج معهم، ويصلي معهم.
وقالت الإباضية: كبائرهم كفر نفاق، لا كفر شرك، وأسماؤهم: كافرون منافقون ليسوا بمشركين، ولا مؤمنين ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ ١، لا إلى المشركين في الحكم، والسرة ولا إلى المؤمنين في الاسم والثواب"٢.
وقال الأشعري: "وأجمعوا -أي: الخوارج- على أن كل كبيرة إلا النجدات؛ فإنها لا تقول ذلك.
وأجمعوا على أن الله -سبحانه- يعذب أصحاب الكبائر، عذابًا دائمًا إلا النجدات٣.
وقال الشهرستاني -في معرض ذكر جماع قول الخوارج: "ويكفرون أصحاب الكبائر"٤.
وقال الرازي: "سائر فرقهم متفقون على أن العبد يصير كافرًا بالذنب"٥.
وقال السكسكي: "وقالوا من أذنب كبيرة فهو كافر؛ إلا النجدات،
_________________
(١) ١ سورة النساء آية ١٤٣. ٢ الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرد على أهل الخلاف ضمن كتاب آراء الخوارج الكلامية، للدكتور عمار طالبي ٢/ ١١٦، "ط. ١٣٩، نشر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع - الجزائر". ٣ انظر: المقالات ١/ ١٦٨. ٤ الملل والنحل ١/ ١١٥. ٥ انظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص ٤٦.
[ ٣٤٠ ]
فإنها لاتكفر من أذنب منهم، وتكفر من أذنب من غيرهم، وأن مرتكبي الكبائر مخلدون في النار معذبون بعذاب أهل النار"١.
ب- قول المعتزلة:
يتلخص قولهم في مركتب الكبيرة في الأمور التالية:
- خروجه من مسمى الإيمان، لا إلى الكفر؛ ولكن إلى منزلة بينهما.
- حكمه في الدنيا: حكم باقي المسلمين في حرمة الدم والعرض والمال، والتوارث ونحو ذلك.
- حكمه في الآخرة: دخول النار، والخلود فيها، لكن يكون عذابه دون عذاب الكفار فيها.
ولنضع الآن لقول القاضي عبد الجبار المعتزلي وهو يدون مذهب أهل نحلته فيقول: "صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين، وحكم بين الحكمين، لا يكون اسمه اسم الكافر، ولا سامه اسم المؤمن؛ وإنما يسمى فاسقًا.
وكذلك فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن؛ بل يفرد به حكم ثالث"٢.
وقال في موضع آخر: "وجملة القول في ذلك أن الغرض بهذا الباب -أي: باب المنزلة بين المنزلتين - هو أن صاحب الكبيرة لا يسمى مؤمنًا ولا كافرًا؛ وإنما يسمى فاسقًا"٣.
وقال في بيان وجه عدم تسميته مؤمنًا: "والذي يدل على الفصل الأول،
_________________
(١) ١ البرهان ص ١٩. ٢ انظر: شرح الأصول الخمسة ص ٦٩٧. ٣ انظر: شرح الأصول الخمسة ص ٧٠١.
[ ٣٤١ ]
وهو الكلام أن صاحب الكبيرة لا يمسي مؤمنًا، هو ما قد ثبت أنه يستحق بارتكاب الكبيرة الذم واللعن، والاستخفاف والإهانة وثبت أن اسم المؤمن صار بالشرع اسمًا لمن يستحق المدح والتعظيم والموالاة؛ فإذ قد ثبت هذان الأصلان؛ فلا إشكال في أن صاحب الكبيرة لا يجوز أن يسمى مؤمنًا"١.
ولم يجز أن يسمى كافرًا؛ لأن الشرع جعل الكافر اسمًا لمن يستحق العقاب العظيم، ويختص بأحكام مخصوصة نحو المنع من المناكحة والموارثة والدفن في مقابر المسلمين. قال: إذا ثبت هذا، ومعلوم أن صاحب الكبيرة ممن لا يستحق العقاب العظيم، ولا تجري عليه هذه الأحكام؛ فلم يجز أن يسمى كافرًا٢.
وهذا الكلام إلى جانب ما أفاده من عدم جواز تسمية صاحب الكبيرة كافرًا تضمن أيضًا الحكم الدنيوي له، وهو أنه تسري عليه أحكام المسلمين من المناكحة، والموارثة والدفن في مقابر المسلمين.
ويقول ابن المرتضي -وهو معتزلي أيضًا- في معرض كلامه عما أجمعت عليه المعتزلة: "وأما ما أجمعوا عليه؛ فقد أجمعت المعتزلة على وعلى المنزلة بين المنزلتين، وهو أن الفاسق لا يسمى مؤمنًا ولا كافرًا"٣.
وأما حكمه في الآخرة فترى المعتزلة: "أن الفاسق يخلد في النار، ويعذب فيها أبد الآبدين ودهر الداهرين"٤.
وذلك إذا مات على كبيرته ولم يحدث منها توبة، ذكر الإسفراييني
_________________
(١) ١ انظر: نفص المصدر ٧٠١- ٧٠٢. ٢ انظر: نفس المصدر ص ٧١٢. ٣ انظر: المنية والأمل ص ٦، "بتصحيح توما أرنلد، نشر: دار صادر -بيروت"، صورة عن طبعة دائرة المعارف النظامية بحيدر آباد الدكن سنة ١٣١٦ هـ. ٤ القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة ص ٦٦٦.
[ ٣٤٢ ]
اتفاقهم على ذلك فقال: "ومما اتفقوا عليه. قولهم: إن حال الفاسق الملِّي منزلة بين منزلتين، لا هو مؤمن ولا هو كافر، وأنه إذ خرج من الدنيا قبل أن يتوب يكون خالدًا مخلدًا في النار مع جملة الكفار، ولا يجوز لله تعالى أن يغفر له أو يرحمه"١.
ومن خلال هذا العرض لقولي الخوارج والمعتزلة نلاحظ اتفاق الفريقين في صاحب الكبيرة على أمور:
الأول: سلب اسم الإيمان عنه.
الثاني: الحكم بأنه من أهل النار وأنه خالد فيها؛ إلا أن عذابه فيها دون عذاب الكفار عند المعتزلة.
واختلفوا في أمرين:
الأول: في اسمه.
الثاني: في حكمه في الدنيا.
فسمته الخوارج كافرًا، على الخلاف المذكور بينهم في نوع كفره، كما تقدم.
وقال المعتزلة: لا نسميه مؤمنًا، ولا كافرًا؛ بل هو عندنا فاسق في منزلة بين الكفر والإيمان.
وأما حكمه في الدنيا؛ فالمعتزلة: تجري عليه أحكام المسلمين كما تقدم.
وأما الخوارج: فهم في ذلك فريقان كما تقدم:
طائفة: تجري عليه أحكام الكفار، فتبيح دمه وماله.
_________________
(١) ١ انظر: التبصير في الدين ص ٦٥، وانظر أيضًا الشهرستاني: الملل والنحل ١/ ٤٨.
[ ٣٤٣ ]
وطائفة: تجري عليه أحكام المسلمين فلا تستبيح ذلك منه.
ثانيًا: قول الطرف الثاني "وهم طوائف المرجئة":
الأصل الذي يجمع المرجئة بمختلف طوائفها، والذي لأجله سموا بذلك كما تقدم هو: إخراج الأعمال عن مسمى الإيمان؛ فهذا أصل أصول المرجئة، وأساس مذهبهم؛ حتى إنه لا يكون المرجئ مرجًا حتى يقول بذلك.
لذلك جاء قولهم في مرتكب الكبيرة من أهل القبلة متساوقًا مع هذا الأصل الذي أصلوه ومتفرعًا عنه، ونتيجة له؛ فكان من قولهم: أن مرتكب الكبيرة:
- مؤمن كامل الإيمان، وارتكاب الكبار لا يؤثر في إيمانه.
- وأنه في الآخرة: من أهل الجنة إذا مات موحدًا مؤمنًا، وإن زنى وسرق وقتل.
وقال المرجئة الخالصة منهم العبارة المشهورة: "لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة"١، وأفصح بعض طوائفهم عن مذهبهم فقالوا: "الإيمان هو المعرفة بالله، والخضوع، له، وترك الاستكبار عليه، والمحبة بالقلب؛ فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو المؤمن، وما سوى ذلك من الطاعة فليس من الإيمان، ولا يضر تركها حقيقة الإيمان ولا يعذب على ذلك، إذا كان الإيمان خالصًا، واليقين صادقًا"٢.
وقال العبيدية٣ منهم: "ما دون الشرك مغفور لا محالة، وإن العبد إذا مات على توحيده، لا يضره ما اقترف من الآثام واجترح من السيئات"٤.
_________________
(١) ١ الشهرستاني، الملل والنحل ١/ ١٣٩. ٢ المصدر السابق ١/ ١٤٠. ٣ العبيدية: هم أصحاب عبيد المكتئب، وهم طائفة من المرجئة الخالصة، انظر: الشهرستاني، الملل والنحل ١/ ١٤٠. ٤ انظر: الشهرستاني، الملل والنحل ١/ ١٤٠.
[ ٣٤٤ ]
ونقل الملطي أن منهم من يقول: "من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وحرم ما حرم الله، وأحل ما أحل الله؛ دخل الجنة إذ مات، وإن زنى، وإن سرق وقتل، وشرب الخمر، وقذف المحصنات، وترك الصلاة والزكاة والصيام، إذًا كان مقرًا بها يسوف التوبة؛ لم يضره وقوعه على الكبائر، وتركه للفرائض، وركوبه الفواحش"١.
وحكى السكسكي إجماعهم على: "أنه لا يدخل النار إلا الكفار فحسب"٢.
ونقل الرازي عن بعض فرقهم أنهم: "يزعمون أنه لا يضر مع الإيمان معصية ما، وأن الله تعالى لا يعذب الفاسقين من هذه الأمة"٣.
فهذا موقف المرجئة من أصحاب الكبائر، وهذه أقوالهم فيهم، وهي أقوال غلب عليها التفريط كما هو ظاهر:
على أن بعضًا من طوائف المرجئة والذين وافقوهم في تعريف الإيمان وحقيقته فقالوا بقولهم في استبعاد وتأخير الأعمال عن مسمى الإيمان كمرجئة الفقهاء؛ كأبي حنيفة وغيره، والأشاعرة، كل هؤلاء لا يقولون بقول المرجئة في مرتكب الكبيرة؛ وإنما يرون انه مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وأمره في الآخرة إلى الله؛ إن شاء عذبه، وإنشاء عفا عنه.
يقول أبو المعالي الجويني في تقرير مذهب الأشاعرة: "من مات من عصاة أهل الإيمان من غير توبة فأمره مغيب؛ إن شاء الله غفر له، أو شفع فيه شفيع، وإن شاء عرضه على النار بقدر ذنبه، ثم عاقبته الفوز الأكبر
_________________
(١) ١ انظر: التنبيه والرد ص٤٣. ٢ انظر: البرهان ص٣٣. ٣ انظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٧٠.
[ ٣٤٥ ]
والنجاة"١.
وهو موافق لقول أهل السنة كما سيأتي.
ثالثًا: قول أهل السنة والجماعة:
أما أهل السنة والجماعة من سلف هذه الأمة الصالحين، وخلفها المتبعين؛ فإنهم مع قولهم بأن الأعمال جزء من مسمى الإيمان، لا يرون في ارتكاب الكبائر ما يخرج المرء من الإيمان سوى الشرك بالله؛ فكان قولهم في مرتكب الكبيرة أنه:
- مؤمن عاص، أو مؤمن فاسق، أو يقال: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته؛ فلا يزيلون عنه اسم الإيمان بالكلية بذهاب بعضه، ولا يعطونه اسم الإيمان المطلق.
- أما حكمه في الآخرة، فيرون أنه إذا مات ولم يتب؛ داخل تحت مشيئة الله؛ إن شاء غفر له وأدخله الجنة دون عذاب، وإن شاء أدخله النار وعذبه بقدر ذنوبه.
- ثم إنه لا يخلد في النار كالكفار؛ بل لا بد أن يخرج منها ويدخل الجنة.
هذا هو مجمل قول أهل السنة في صاحب الكبيرة.
وهذه بعض نصوص أئمة أهل السنة التي عبروا فيها عن معتقدهم وقولهم في أصحاب الكبائر من أهل القبلة، نسوقها هنا لنقف على حقيقة قولهم في ذلك.
يقول إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل "ت ٢٤١ هـ" في اعتقاده
_________________
(١) ١ انظر: العقيدة النظامية ص ٨٩- ٩٠، "بتحقيق د. أحمد حجازي السقا، ط. الولى ١٣٩٨ هـ ١٩٧٨ م، نشر: مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة".
[ ٣٤٦ ]
الذي ذكره اللالكائي: "ولا يشهد على أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار يرجو للصالح ويخاف عليه، ويخاف على المسيء المذنب، ويرجو له رحمة الله.
ومن لقي الله بذنب يجب له به النار تائبًا غير مصر عليه؛ فإن الله ﷿ يتوب عليه ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
ومن لقيه وقد أقيم عليه حد ذلك في الدنيا؛ فهو كفارة، كما جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
ومن لقيه مصرًا غير تائب من الذنوب التي استوجب بها العقوبة، فأمره إلى الله ﷿ إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.
ومن لقيه كافرًا عذبه ولم يغفر له"٢.
وذكر الإمامان الجليلان أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم "١٩٠- ٢٦٤ هـ" وأبو حاتم محمد بن إدريس "١٩٥- ٢٧٧" الرازيان أنه كان من قول العلماء الذين أدركناهم في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا: "وأهل الكبائر في مشيئة الله ﷿، ولا نكفر أهل القبلة بذنبوهم، ونكل سرائرهم إلى الله ﷿"٣.
ويقول الإمام الطحاوي "٣٢١هـ" في عقيدته المشهورة: "ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب٤ ما لم يستحله، ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب
_________________
(١) ١ سيأتي بنصه من حديث عبادة بن الصامت ﵁. انظر: ص٣٥١. ٢ انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٦٢. ٣ نفس المصدر ١/ ١٧٦- ١٧٧. ٤ الأولى أن يقال: "بكل ذنب"، كما نبه عليه ابن أبي العز في شرحه؛ لأن المراد مقابلة الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون بكل ذنب م الكبائر، وأهل السنة ليسوا كذلك وإن كانوا يكفرون ببعض الذنوب؛ لورود النص فيها كترك الصلاة. عند طوائف منهم على تفصيل في ذلك.
[ ٣٤٧ ]
لمن عمله. نرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم، ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة١. ونستغفر لمسيئهم، نخاف عليهم ولا نقنطهم. ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه.
وأهل الكبائر من -أمة محمد ﷺ٢ في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون وإن لم يكونوا تائبين، يعد أن لقوا الله عارفين مؤمنين، وهم في مشيئته وحكمه؛ إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر ﷿ في كتابه ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣ وإن شاء عذبهم في النار بعدله. ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته ثم يبعثهم إلى جنته؛ وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته، ولم يجعلهم كأهل نكرته الذين خابوا من هدايته، ولم ينالوا من ولايته"٤.
وهذا الإمام عبيد الله بن بطة "٣٠٤- ٣٨٧ هـ" ينقل إجماع علماء السلف على ذلك فيقول: "وقد أجمعت العلماء لا خلاف بيهم أنه لا يكفر أحد
_________________
(١) ١ قال الشيخ عبد العزيز بن بازر معلقًا على قول الإمام الطحاوي، "ولا نشهد لهم بالجنة": "مراده ﵀ إلا من شهد له الرسول صلى الله عليه كالعشرة ونحوهم كما يأتي ذلك في آخر كلامه، مع العلم بأن عقيدة أهل السنة والجماعة الشهادة للمؤمنين والمتقين على العموم بأنهم من أهل الجنة، وأن الكفار والمشركين والمنافقين من أهل النار، كما دلت على ذلك الآيات الكريمات والسنة المتواترة عن رسول الله ﷺ ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الطور: ١٧] إلخ. انظر تعليقه على: العقيدة الطحاوية ص٢٠. مكتبة الصديق. ٢ ذكر الشيخ الألباني أن هذه الجملة لم ترد في بعض النسخ، وقال: وحذفها أصح؛ لأن مفهومها أن أهل الكبائر من غير أمة محمد ﷺ قبل نسخ الشرائع به حكمهم مخالف لأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ وفي ذلك نظر. فإن النبي ﷺ قال: "يخرج من النار ممن كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان"، ولم يخص أمته بذلك بل ذكر الإيمان مطلقًا، فتأمله". انظر: العقيدة الطحاوية، "شرح وتعليق محمد ناصر الدين الألباني، ص٤٥، المكتب الإسلامي، ١٤٠٨ هـ". ٣ سورة النساء آية ٤٨. ٤ انظر: العقيدة الطحاوية، بتعليق الشيخ ابن باز ص ١٩- ٢٠، ٢١، ٢٣، ٢٤.
[ ٣٤٨ ]
من أهل القبلة بذنب١ ولا نخرجه من الإسلام بمعصية، نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، ولا نقول بذلك بقول المعتزلة؛ فإنها تقول: من أتى ذنبًا واحدًا في عمره أو ظلم بحبة في عمره فقد كفر؛ فمن قال ذلك فقد أعظم الفرية على الله ﷿ ويراه مما وصف به نفسه من الرأفة والرحمة والتجاوز والإحسان والغفران"٢.
ويسوق الإمام الصابوني ٣٧٢- ٤٤٩ هـ" عقيدة أهل السنة في ذلك قائلًا: "ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة، صغائر كانت أو كبائر فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله -﷿- إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالمًا غانمًا غير مبتلى بالنار، ولا معاقب على ما ارتكبه من الذنوب، واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار.
وإن شاء عاقبه، وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيه؛ بل أعتقه وأخرجه منها إلى دار القرار"٣.
ويحكي الإمام البغوي " / ٥١٦ هـ" اتفاق أهل السنة على ذلك فيقول: "اتفق أهل السنة على أن المؤمن لا يخرج عن الإيمان بارتكاب شيء من الكبائر؛ إذ لم يعتقد إباحتها، وإذا عمل شيئًا منها فمات قبل التوبة، لا يخلد في النار، كما جاء به الحديث، بل هو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه بقدر ذنوبه ثم أدخله الجنة برحمته، كما ورد في حديث عبادة بن الصامت في البيعة٤.
_________________
(١) ١ تقدم التعليق على ذلك انظر ص٣٤٧. ٢ انظر الشرح والإبانة ص٢٦٥. ٣ انظر: عقيدة السلف أصحاب الحديث ص٧١- ٧٢. ٤ سيأتي ذكر الحديث. انظر: ص٣٥١.
[ ٣٤٩ ]
واختلفوا في ترك الصلاة المفروضة عمدًا، فكفره بعضهم، ولم يكفره الآخرون"١.
وبعد: فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة في أصحاب الكبائر من أهل القبلة كما دونها أئمتهم على ضوء نصوص الكتاب والسنة، قولهم في ذلك واحد لا يختلف فيه أحد، كلهم متفقون عليه كما صرح بذلك من نقل إجماعهم واتفاقهم عليه من الأئمة كما تقدم.
وهو قول يدل على عدل واعتدال وتوسط واتزان، كل جزئية منه يدل عليها آية من كتاب الله، أو سنة عن رسول الله ﷺ.
يدل لقولهم بإيمانه، وعدم زواله عنه وفسقه أو كفره، كما يقول المعتزلة والخوارج، كثير من الآيات والأحاديث المصرحة بإيمان العصاة مرتكبي الكبائر، كقول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ ٢ فخاطب الجميع باسم الإيمان مع أن فيهم من قد وجب عليه القصاص؛ لارتكابه كبيرة القتل، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
وأثبت الأخوة بين القاتل وبين ولي الدم، فقال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، ولا شك في أن المراد بالأخوة الإخوة الإيمانية المذكورة في قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ فدل ذلك على بقاء الإيمان مع كبيرة القتل.
قال الإمام ابن الجوزي في الآية: "ودل قوله: ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ على أن القائل لم يخرج عن الإسلام"٣.
_________________
(١) ١ انظر: شرح السنة ١/ ١٠٣. ٢ سورة البقرة آية ١٧٨. ٣ انظر: زاد المسير في علم التفسير ١/ ١٦٣، "بتحقيق محمد بن عبد الرحمن عبد الله، ط. الأولى ١٤٠٧، نشر: دار الفكر -بيروت".
[ ٣٥٠ ]
وكقوله ﷿: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١، فسمي الجميع مؤمنين، مع الاقتتال، وجعل الجميع إخوة؛ فدل ذلك على أن الكبيرة لا تخرج صاحبها من الإيمان، وقد استدل الإمام البخاري بهذه الآية فقال: "باب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ قال: فسماهم المؤمنين"٢؛ أي: مع اقتتالهما.
ثم إن نصوص الكتاب والسنة، والإجماع تدل على أن الزاني، والسارق والقاذف لا يقتل؛ بل يقام عليه الحد، فدل على أنه ليس بمرتد٣ بارتكاب هذه الكبائر ولو كان كذلك لقتل.
أما قولهم بأنه إذا مات من غير توبة؛ فهو داخل تحت مشيئة الله؛ إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه.
فيشهد له قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٤ فجوز أن يغفر كل ذنب سوى الشرك بالله بما في ذلك الكبائر.
ويدل عليه قول المصطفى ﷺ في حديث عبادة بن الصامت ﵁: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو
_________________
(١) ١ سورة الحجرات: آية ٩، ١٠. ٢ انظر: صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الإيمان ١/ ٨٤. ٣ انظر: شرح الطحاوية ص٣٦. ٤ سورة النساء آية ٤٨ وآية ١١٦.
[ ٣٥١ ]
كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه" ١.
والحديث نص في دخول من مات على شيء من الكبائر، تحت المشيئة كما يقول أهل السنة.
وأما قولهم: إنه لا يخلد في النار إذا دخلها، وأنه لا بد أن يخرج منها ويدخل الجنة؛ فهو مأخوذ من مثله قوله ﷺ: "يدخل أهل الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا -أو الحياة، شك مالك أحد رواة الحديث- فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل" ٢.
فدل الحديث على خروج من في قلبه مثقال حبة من إيمان من النار وإدخالهم الجنة، ومعلوم أن أصحاب الكبائر مؤمنون، مع كثير منهم مثقال أو مثاقيل من الإيمان؛ فلا شك في خروجهم والحديث يتضمن أيضًا الرد على المرجئة الخالصة من قولهم: "لا يضر مع الإيمان ذنب"؛ إذ يثبت الحديث أن من المؤمنين من تضرة المعاصي فيدخل النار، ثم يخرج منها، فخروجه دل على أنه ليس بكافر؛ وإنما هو مؤمن عذب بقدر ذنبه ثم أخرج إلى الجنة.
قال الحافظ ابن حجر موضحًا مراد الإمام البخاري بإيراد هذا الحديث: "وأراد بإيراده الرد على المرجئة؛ لما فيه من بيان ضرر المعاصي مع الإيمان وعلى المعتزلة في أن المعاصي موجبة للخلود"٣.
_________________
(١) ١ خ: كتاب الإيمان ١/ ٦٤، ح ١٨. ٢ خ: كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال ١/ ٧٢، ح ٢٢. ٣ انظر: فتح الباري ١/ ٧٣.
[ ٣٥٢ ]