بلغت عدالة هذه الأمة يوم أن كانت في أوج قوتها ونفوذ سلطانها، وقدرتها على البطش والظلم إن أرادت حدًا أذهل الأعداء والخصوم، وجعلهم يقفون مشدوهين أمام عظمة هذه الأمة، والدين الذي تدين به وتدعو الأمم إليه؛ مما جعلهم -على ما في قلوبهم من غل وحقد وحسد- يشيدون بعدالة هذه الأمة، وسماحتها وقيامها بالقسط مع خصومها ومن يعيش في كنفها من أهل الديانات الأخرى قبل أبنائها ومواطنيها.
فنطقت ألسنتهم بما رأوا ولمسوا من العدل والإنصاف والسماحة التي عاشوها وعوملوا بها في رحاب هذه الأمة وتحت سلطانها.
وحين تأتي الشهادة لهذه الأمة من الأعداء والخصوم؛ فهي شهادة غير متهم، ولا محاب، بل هي شهادة عدو، وخصم أنطقه واقع العدل الذي نعم به في جوار هذه الأمة، والرحمة التي أسبغت عليه مما لم يجد له مثيلًا حتى لدى بنهي جنسه ودينه.
وهي شهادة تفخر بها هذه الأمة، وإن كان بها عنها غنى، وقديمًا قيل: والفضل ما شهدت به الأعداء.
وهذه بعض اعترافات وشهادات الأمم وأهل الأديان الأخرى بعدالة هذه الأمة وسماحتها وإنصافها لمن عاش تحت حكمها منهم:
١- روى البلاذري من طريق سعيد بن عبد العزيز١ قال: بلغني أنه لما
_________________
(١) ١ وهو: سعيد بن عبد العزيز التنوخي الدمشقي مفتي الشام، أحد الأئمة، ثقة حجة. مات سنة ١٦٧ هـ. انظر: الذهبي ميزان الاعتدال ٢/ ١٤٩.
[ ١٧٨ ]
جمع هرقل١ للمسملين الجموع وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك، ردوا على أهل حمص٢ ما كانوا أخذوا منهم من الخراج، وقالوا: قد شغلنا عن نصرتكم، والدفع عنكم؛ فأنتم على أمركم، فقال أهل حمص: "لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم٣، ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم"٤.
وكان أهل حمص نصارى، صالحهم المسلمون على أن يدفعوا الجزية والخراج ويتكفل ولي أمر ولي أمر المسلمين بحمايتهم، ودفع الأعداء عنه، وقد كانوا قبل حكم المسلمين تحت حكم الروم وهم على دينهم.
فلما رأى المسلمون أنهم غير قادرين على الوفاء لهم بشرط الحماية، ردجوا عليهم ما أخذوا منهم.
فأكبر ذلك أهل حمص؛ لأنهم لم يعهدوا مثله في أمة غير المسلمين، وأشادوا بعدل المسلمين وحسن ولايتهم عليهم، وأنهم أحب إليهم من الروم مع كونهم على دينهم.
وهذه شهادة صريحة بعدالة هذه الأمة، نبعث من واقع عاشه القوم تحت لواء المسلمين، لمسوا خلاله من العدالة، والرحمة، والمساحة ما لم يعرفوا من قبل.
٢- وهذا اعتراف آخر وشهادة أخرى من أهل وادي الأردن:
_________________
(١) ١ هرقل: ملك الروم. ٢ حمص "بكسر الحاء المهملة" قل الحموي: بلد مشهور قديم بين دمشق وحلب، بناه رجل يقال له حمص بن المهر بن جان. انظر: معجم البلدان ٢/ ٣٠٢. ٣ الغشم: الظلم والغصب. انظر: لسان العرب ١٢/ ٤٣٧. مادة "غشم". ٤ فتوح البلدان ص ١٤٣.
[ ١٧٩ ]
لقد كتبوا إلى قائد المسلمين آنذاك وهو أبو عبيدة عامر بن الجراح١ ﵃ معربين له عن تمنيهم لحكم المسلمين لما لمسوا من عدالتهم ووفائهم ورأفتهمبهم وأنهم يفضلونهم على الروم وإن كانوا على دينهم، قائلين: "يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم، وإن كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا، وأرأف بنا، وأكف عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا ولكنهم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا"٢.
٣- شهادة المستشرق توماس وآرنولد٣:
يقول في كتابه "الدعوة إلى الإسلام" وهو يتحدث عن اضطهاد الفرس للمسيحيين، موازنًا بين سلوكهم وسلوك المسلمين: "ولكن مبادئ التسامح الإسلامي حرمت مثل هذه الأعمال -التي كان يمارسها الفرس على رعاياهم من المسيحيين التي تنطوي على الظلم؛ بل كان المسلمون على خلاف غيرهم، إذًا يظهر لنا أنهم لم يألوا جهدًا في أن يعاملوا كل رعاياهم من المسيحيين بالعدل والقسطاس"٤.
وقال عن إيثار أهل القدس وفلسطين لحكم المسلمين واغتباطهم به:
_________________
(١) ١ هو: أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، أحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلم قديمًا وشهد بدرًا. مات شهيدًا بطاعون عمواس سنة ثماني عشرة وله ثمان وخمسون سنة. ابن حجر. التقريب ١/ ٣٨٨. ٢ فتوح الشام ص ٩٧. ٣ تومس ووكر أرنولد "١٢٨٠- ١٣٤٩ هـ"، مستشرق إنكليزي، تعلم في كمبردج، واشتغل بالتدريس في عدة جامعات بالهند وباكستان، ثم عاد إلى لندن ودرس في جامعتها، عين مديرًا لمعهد الدراسات الشرقية. له عدة كتب بالإنجليزية عن العلوم الإسلامية. الزركلي، الأعلام ٢/ ٧٦- ٧٧. وانظر: نجيب العقيقي، المستشرقون ٢/ ٨٤. ٤ ص ٨٨، ترجمة الأستاذ حسن إبراهيم حسن وزملائه. "طـ. الثانية ١٩٥٧، نشر: مكتبة النهضة".
[ ١٨٠ ]
"ومن المؤكد أن المسيحيين من أهالي هذه البلاد؛- أي: القدس- قد آثروا حكم المسلمين على حكم الصليبيين"١.
٤- شهادة واعتراف المستشرق الأمريكي، وول ديورانت:
بالرغم من أن هذا الرجل يهودي صهيوني درس في كتابه "قصة الحضارة" السم في الدسم، وأساء للإسلام ونبيه ﷺ كما أساء للمسيح ﵇ كثيرًا؛ مما يحتم على قارئ هذا الكتاب أن يتوخى الحذر، وأن ينتبه لذلك ويتوقى تلك الألغام٢ التي بثها الرجل في ثنايا مؤلفه هذا. ومع ذلك يأبى الله إلا أن يظهر الحق ولو على لسان عدو من أعدائه.
يقول ديورانت واصفًا حال أهل الذمة الذين يعيشون في ظل الخلافة الإسلامية: "ولقد كان أهل الذمة المسيحيون، والزرادشتيون٣، واليهود، والصابئون٤ يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح، لا نجد لها نظيرًا في البلاد المسيحية في هذه الأيام فلقد كانوا أحرارًا في ممارسة شعائر
_________________
(١) ١ نفس المصدر ص ١١٦. ٢ عن ِأصل هذه الكلمة ومعناها راجع، معجم الأخطاء الشائعة، لمحمد العدناني ص ٢٢٩ ط. الثانية. ٣ الزرادشتيون: ابتاع زرادشت بن بورشب وهو رجل ظهر في أذربيجان في زمان الملك كشتاسب بن الهراست، وزعم أنه نبي، وله كتاب يسمى "زنداوستا"، زعم أنه أنزل عليه وكان يدعو إلى عبادة الله، والكفر بالشيطان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم دخل التحريف الزرادشتيه، آلت إلى أن أصبحت ديانة ثنوية مجوسية. انظر: الشهرستاني، الملل ٢/ ٤١. والرازي، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٦٨. ٤ الصابئة: نوعان: حنفاء موحدون، وصابئة مشركون يعبدون الكواكب. انظر عنهم: ابن تيمية، الرد على المنطقيين ٢٨٨. وذكر ابن أبي حاتم فيهم ثمانية أقوال في تفسيره تفسير القرآن العظيم ق١، البقرة ص١٩٩، "ط. الأولى، بتحقيق د. أحمد الزهراني، نشر: مكتبات الدار، وابن القيم، وطيبة".
[ ١٨١ ]
دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم، ولم يفرض عليهم أكثر من ارتداء زي ذي لون خاص، وأداء فرضة عن كل شخص، تختلف باختلاف دخله، ولم تكن هذه الضريبة١ تفرض إلا على غير المسلمين القادرين على حمل السلاح، ويعفي منها الرهبان، والنساء، والذكور الذين هم دون البلوغ، والأرقاء، والشيوخ، والعجزة، والعمي، والشديد والفقر.
وكان الذميون يعفون في نظير هذه الضريبة من الخدمة العسكرية ولا فرض عليهم الزكاة وكان لهم على الحكومة أن تحميهم٢.
وهذا النص يثبت أن المسلمين في الأندلس عاملوا أهل ذمتهم وفق القواعد التي وضعها وحددها الإسلام، وهي قواعد تعطي أهل الذمة أكثر مما تأخذ منهم، توفر لهم الحماية والنصفة، وعدم الظلم أو الهضم وتسبغ الرحمة والعطف على الفقراء وذوي الأعذار، توفر لهم حرية التدين، والاكتساب، وهذا غاية العدل؛ بل هو إلى الفضل أقرب.
٥- اعتراف المستشرق ستانلي لين بول:
نقل عنه صاحب "قصة الحضارة" العبارة التالية:
"لم تنعم الأندلس طول تاريخها بحكم رحيم، عادل، كما نعمت به في أيام الفاتحين العرب"٣.
_________________
(١) ١ في الواقع ليس ما يؤخذ من الذميين بضريبة؛ وإنما هو الجزية تؤخذ في مقابل توفير المسلمين لهم الحماية والأمان حتى من أعدائهم الخارجيين، ولذلك لما لم يستطع المسلمون أن يفوا لأهل حمص بذلك ردوا عليهم ما أخذوا منهم كما تقدم. وهي أيضًا في مقابل تمتع الذمي بالخدمات العامة التي تقدمها الدولة. ٢ قصة الحضارة ١٣/ ١٣٠- ١٣١، "ط. الثالثة ١٩٧٤ م. نشر: لجنة التأليف والنشر، ترجمة محمد بدران". ٣ عن كتاب حكم المسلمين في أسبانيا، كما ذكر المترجم في حاشية قصة الحضارة ١٣/ ٢٩٢؛ على أن لا نسلم له عبارة: "الفاتحن العرب" فهي من درس المستشرقين، فغن هذه البلدان وغيرها إنما فتحها المجاهدون المسلمون لنشر دين الله في أرضه وبين خلقه لا لشيء آخر.
[ ١٨٢ ]
ثم عقب عليه ديوران -اليهودي- بقوله: "ذلك حكم يصدره مستشرق مسيحي عظيم" ثم غلب عليه حقده وخبثه وأراد أن يقلل من شأن هذه الشهادة والإشادة مع اعترافه بصحة حكم استانلي، فيغمزها قائلًا: "قد يتطلب تحمسه شيئًا من التقليل من ثنائه، لكن هذا الحكم بعد أن نقص منه ما عساه أن يكون فيه من التحمس يظل مع ذلك قائمًا صحيحًا"١.
_________________
(١) ١ قصة الحضارة ١٣/ ٢٩٢.
[ ١٨٣ ]