أما أهل السنة والجماعة فإن من أصولهم التي يدينون بها: إثبات ما ورد في كتاب الله ﷿، أو على لسان رسول الله ﷺ من أسماء الله وصفاته لا يفرقون بين أسماء الله وصفاته، ولا بين بعض صفاته وبعض؛ بل قولهم في الجمع واحد، لا ينفون ولا يؤولون شيئًا منها، ولا يكيفيون أو يشبهون شيئًا منها بصفات المخلوقين.
يقول الإمام ابن عبد البر في ذلك: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز؛ إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يجدون فيه صفة محصورة"١.
ويقرر شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب أهل السنة وقولهم في ذلك بما لا مزيد عليه فيقول: "ومذهب سلف الأمة وأئمتها أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف وتمثيل، يثبتون لله ما أثبته لنفسه من الصفات، وينفون عنه مماثلة المخلوقات، يثبتون له صفات الكمال، وينفون عنه ضروب الأمثال، ينزهون عن النقص والتعطيل، وعن التشبيه والتمثيل إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد على الممثلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ رد على المعطلة"٢. فمذهبهم إذًا بين التمثيل والتعطيل، دائر على الإثبات والتنزيه.
ولهم في ذلك منهج وسط، وقواعد مثلى عليها يدور مذهبهم، وقولهم في
_________________
(١) ١ انظر: التمهيد ٧/ ١٤٥. ٢ انظر: منهاج السنة ٢/ ١١١.
[ ٣١٩ ]
أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وهي قواعد دل عليها كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ؛ فهي مستوحاة منهما، وكل من ضل في هذا الباب فإنما حصل له ذلك بسبب التفريط والإعراض عن شيء منها.
أولى هذه القواعد وأعظمها:
أن لا يوصف الله ﷿ إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه رسوله ﷺ، لا يتجاوز القرآن والحديث١.
وكان مطرف يقول: الحمد لله الذي من العلم به الجهل بغير ما وصف به نفسه٢.
وقال سحنون: من العلم بالله السكوت عن غير ما وصف به نفسه٣.
فمن وصفه بما لم يصف به نفسه، أيو يصفه به رسوله فقد ضل، وقال على الله بلا علم، ومن ذلك صنيع الفلاسفة الذين سموه العقل الفعال، والمعتزلة الذين جعلوا القدم أخص صفاته، وهذا الاسم إلى كونه ليس في كتاب الله فإنه لا يؤدي المعنى الذي أناطوه به. واللفظ الشرعي الوارد في قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ ٤ أدل على المعنى المطلوب وأرضى للرب.
ومن لم يصفه بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله؛ فقد ضيع وفرط وضل وعطل الله ﷿ عن أسمائه وصفاته التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة.
القاعدة الثانية:
القطع بأنه ليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيه لصفاته
_________________
(١) ١ ذكره ابن تيمية من قول الإمام أحمد: انظر: الفتوى الحموية ص ١٦. ٢ انظر: ابن عبد البر، التمهيد ٧/ ١٤٦. ٣ نفس المصدر والصفحة. ٤ سورة الحديد آية ٣.
[ ٣٢٠ ]
بصفات خلقه، كما تقدم قول نعيم بن حماد: "من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد شيئًا مما وصف الله به نفسه كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيه أو تمثيل"١
وبسبب التفريط في هذا الأصل، ضل كل من طائفتي المعطلة، والمشبهة إذا اعتقد الجميع أن فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيهًا؛ فنفي المعطلة وأولوا ما دلت عليه النصوص من الصفات، وقال المشبهة بمماثلتها لصفات المخلوقات.
القاعدة الثالثة:
قطع الطمع عن إدراك كيفية صفات الله سبحان٢، وكل من حاول إدراك ذلك خرج إلى ضرب من التشبيه.
القاعدة الرابعة:
القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، وبسبب الغفلة عن هذا الأصل ضل من أثبت بعض الصفات ونفي البعض الآخر؛ إذ لا فرق بين ما نفاه وما أثبته والقول فيهما واحد٣ وكذلك القول في الأسماء.
القاعدة الخامسة:
والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، يحتذى في ذلك حذوه ومثاله.
فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين ﷿ إنما هو إثبات وجود لا
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص١٣١. ٢ انظر: الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص٢٨. نشر الجامعة الإسلامية. ٣ راجع: ابن تيمية، التدمرية ٣١.
[ ٣٢١ ]
إثبات كيفية؛ فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف١.
القاعدة السادسة:
الاعتصام بالألفاظ الشرعية الواردة في هذا الباب نفيًا وإثباتًا، والتوقف في الألفاظ التي لم يرد نص بذكرها نفيًا ولا إثباتًا كلفظ الجسم، والحيز والجهة، والمكان ونحو ذلك، والاستفصال عن مراد من أطلقها؛ فإن كان المعنى الذي أراده صحيحًا قبل وعبر عنه باللفظ الشرعي، وإن كان معنى باطلًا، لم يقبل.
يقول شيخ الإسلام في هذا المعنى: "فالواجب أن ينظر في هذا الباب فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه، والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي؛ فنثبت ما أثبتته النصوص من الألفاظ والمعاني وننفي ما نفته النصوص من الألفاظ والمعاني.
وأما الألفاظ التي تنازع فيها من ابتدعها من المتأخرين، مثل لفظ "الجسم" و"الجوهر" و"المتحيز" و"الجهة" ونحو ذلك؛ فلا تطلق نفيًا ولا إثباتًا، حي ينظر في مقصود قائلها فإن كان قد أراد بالنفي والإثبات معنى صحيحًا موافقًا لما أخبر به الرسول ﷺ صوف المعنى الذي قصده بلفظه؛ ولكن ينبغي أن يعبر عنه بألفاظ النصوص، ولا يعدل إلى هذه الألفاظ المبتدعة المجملة، إلا عند الحاجة، مع قرائن تبين المراد بها - قال- والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها، وأما إن أريد بها معنى باطل نفي ذلك المعنى، وإن جمع بين حق وباطل، أثبت الحق وأبطل
_________________
(١) ١ رسالة للخطيب البغدادي في الكلام على الصفات ص ٢٠، ط. الأولى، بتحقيق: عمرو عبد المنعم، نشر: مكتبة العلم بجدة ١٤١٣ هـ. وانظر معنى هذه القاعدة لدى ابن تيمية في التدمرية ص ٤٣.
[ ٣٢٢ ]
الباطل"١.
ويعد: فهذه بعض أهم القواعد التي تميز منهج أهل السنة في هذا الباب، وهي تدل على مدى اعتصامهم بالكتاب والسنة، والقول بما دلا عليه. بالسير عليها جاء قولهم معتدلًا مستصوبًا.
_________________
(١) ١ انظر: منهاج السنة ٢/ ٥٤٤- ٥٥٥.
[ ٣٢٣ ]