الحديث عن القدر والنزاع والمخاصمة فيه، والاحتجاج به، من الأمور التي صاحبت الإسلام منذ نشأته؛ بل أنا لا نعدوا لحقيقة إذا قلنا إن جذور الكلام والخوض فيه تمتد إلى ما قبل الإسلام.
يؤكد ذلك نصوص من كتاب الله ﷿ ومن سنة رسوله ﷺ.
فقد جاء فيهما ما يدل على أن كفار قريش، خاصموا رسول الله ﷺ في القدر ونازعوه فيه، واحتجوا به.
يقول الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁: "جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر فنزلت ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ، إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ١، ٢.
قال الإمام ابن القيم في هذه الآية: "والمخاصمون في القدر نوعان:
أحدهما: من يبطل أمر الله ونهيه بقضائه وقدره، كالذين قالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا.
والثاني: من ينكر قضاءه وقدره السابق؛ والطائفتان خصماء الله"٣.
وأخبر ﷿ في آية أخرى أن المشركين كانوا يحتجون بالقدر ويتعللون بمشيئة الله وينسبون ما وقع منهم من كفر وشرك وعصيان إلى إرادة الله ذلك ومشيئته إياه، منكرين إرادتهم واختيارهم؛ وذلك تنصلًا من مسؤولية ما اقترفوا من شرك وإثم. يقول ﷿ في ذلك:
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا
_________________
(١) ١ سورة القمر آية ٤٨- ٤٩. ٢ م: كتاب القدر، باب كل شيء بقدر ٤/ ٢٠٤٦، ح ٢٦٥٦. ٣ شفاء العليل ٢٨.
[ ٣٦٧ ]
أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ ١، ثم أخبر سبحانه عن تحقق وقوع ذلك منهم، وقولهم له، فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِين﴾ ٢. وقال أيضًا: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ ٣.
ومضمون كلامهم أنه لو كان تعالى كارهًا لما فعلنا؛ لأنكره علينا بالعقوبة ولما مكنا منه٤.
ولو أراد لحال بيننا وبين عبادة الأصنام؛ فإنه عالم بذلك وهو يقرنا عليه٥.
وهل هذا القول منهم إلا احتجاج بالقدر، وقول بالجبر؟!
وقول ﷿ في آية "الأنعام": ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، وفي آية "النحل": ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يشير إلى أن جذور هذا القول ضاربة في أعماق الأمم المشركة، ويدل دلالة واضحة وصريحة على أن من شأن المشركين والكافرين من بني الإنسان، التعلل بالقدر والميل إلى الجبر لتبرير شركهم وكفرهم، أو على الأقل للتنصل من جريرة ذلك ومسؤليته.
وفي آية أخرى من كتاب الله ﷿، نجد أن المنافقين في عهد رسول
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ١٤٨. ٢ سورة النحل آية ٣٥. ٣ سورة الزخرف آية ٢٠. ٤ ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ٤/ ٤٨٩. ٥ نفس المصدر ٧/ ٢١٠.
[ ٣٦٨ ]
الله ﷺ بدر منهم ما يدل على عدم يقينهم بأن كل شيء يقدر، يقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ ١.
ذكر الإمام ابن جرير أن الذين قالوا ذلك جماعة من المنافقين٢.
خوض الصحابة في القدر:
وفي عهد الرسول ﷺ، خاض بعض الصحابة الكرام في القدر فنهاهم الرسول ﷺ عن ذلك، فانتهوا ولم يعودوا لمثل ذلك أبدًا.
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "خرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يختصمون في القدر؛ فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال: بهذا أمرتم؟ أو لهذا خلفتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض، بهذا هلكت الأمم قبلكم"٣، ولم ينقل عن الصحابة ﵃ أنهم تكلموا في ذلك إلا عندما ظهرت بدعة القدرية فتكلم من عناصر ذلك منهم بالرد والإنكار عليهم كما سيأتي ذلك.
ظهور بدعتي نفي القدر والقول بالجبر:
في أواخر عصر الصحابة رضوان الله عنهم، كانت البداية الحقيقة لنشأة الاختلاف والكلام في القدر.
إذ نبغ في وقتهم معبد الجهني٤ الذي قال بنفي القدر، كما روى الإمام
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية ١٥٦. ٢ انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٧/ ٣٣١- ٣٣٢. ٣ جه: مقدمة، باب في القدر ١/ ٣٣٣، ح ٨٥، وقال الشيخ الألباني: "حسن صحيح". انظر: صحيح ابن ماجه ١/ ٢١، ح ٦٩، وقال أحمد شاكر: صحيح. انظر: شرع على مسند أحمد ١٠/ ١٥٣، ح ٦٦٦٨. ٤ وهو معبد الجهني، قال ابن حجر: يقال إنه: ابن عبد الله بن عكيم، ويقال: ابن عبد الله بن عويم، ويقال: ابن خالد، كان صدوقًا في الحديث، وكان أول من تكلم في القدر بالبصرة، وكان رأسًا في القدر، قتله الحجاج سنة ٨٠ هـ، انظر: تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٢٥- ٢٢٦.
[ ٣٦٩ ]
مسلم عن يحيى بن يعمر١ قال: "كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني. ثم ذكر يحيى أنه لقي عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ فقال: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون٢ العلم. وإنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف٣، فقال ابن عمر منكرًا عليهم ذلك: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر"٤.
ومعبد إنما تلقى هذه المقالة عن رجل نصراني، كان قد أسلم ثم تنصر مرة أخرى؛ فكان معبد أول من نشر ذلك ونادى به وأظهره، ولا سيما بالبصرة كما تقدم.
قال الإمام الأوزاعي ﵀: "أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له: سوسن٥، وكان نصرانيًا فأسلم، ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان٦ عن معبد"٧.
_________________
(١) ١ يحيى بن يعمر بفتح التحتانية والميم بينهما مهملة ساكنة، البصري نزيل مرو وقاضيها، ثقة فصيح، وكان يرسل، مات قبل المائة وقيل بعدها. انظر: ابن حجر: التقريب ٢/ ٣٦١. ٢ يتقفرون العلم: أي: يطلبونه ويتتبعونه. شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ١٥٥. ٣ أنف: أي: مستأنف، لم ييسبق به قدر ولا علم من الله تعالى؛ وإنما يعمله بعد وقوعه. المصدر نفسه ١/ ١٥٦. ٤ م: كتاب الإيمان، باب بيان الإسلام والإيمان ١/ ٣٦، ح ٨. ٥ قيل: اسمه سوسن، وقيل: سنسويه وقيل: سنهويه، وقيل غير ذلك، ولم أقف له على ترجمة. ٦ تقدمت ترجمته ص ٢٩٥. ٧ الآجري، الشريعة ص ٣٤٣، واللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٤/ ٧٥٠، ح ١٣٩٨.
[ ٣٧٠ ]
وقال ابن عون١: "أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان، حتى نشأ ها هنا حقير، يقال له: سنسويه البقال، قال فكان أول من تكلم في القدر"٢.
فهؤلاء هم أقطاب القدرية الأوائل، وكان مذهبهم في القدر يدور على أمرين:
أحدهما: نفي علم الله سبحانه بالأشياء قبل وقوعها.
والثاني: نفي خلقه لأفعال العباد، وأنها ليست واقعة بقدره.
وهؤلاء هم غلاة القدرية الأوائل، وقد انقرض مذهبهم، والمتأخرون منهم يثبتون علم الله سبحانه بالأشياء قبل وقوعها وينفن خلقه لأفعال العباد.
قال القرطبي "٦٧١ هـ" وغيره: قد انقرض هذا المذهب -أي: مذهب غلاة القدرية- ولا نعرف أحدًا ينسب إليه من المتأخرين.
قال: والقدرية اليوم مطبقون على أن الله عالم بأفعال العباد قبل وقوعها؛ وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العابد مقدورة لهم وواقعة منهم على جهة الاستقلال وهو مع كونه مذهبًا باطلًا أخف من الأول"٣.
وهذا المذهب هو الذي تبنته المعتزلة وجعلته أصلًا من أصولها التي قام عليها كيان الاعتزال، وبسبب قولهم به عرفوا بالقدرية، لنفيهم القدر.
وفي مقابل القول بنفي القدر، ظهر قول مضاد ومعاكس له، وهو القول بالجبر، ومضمونه: أن الإنسان مجبور على أفعاله وأنه لا يقدر منها على شيء؛ فهو كالريشة في مهب الريح، وأول من عرف عنه القول بذلك في الإسلام هو:
_________________
(١) ١ هو: عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون ت ١٥١ هـ، ترجمته لدى ابن سعد، الطبقات ٧/ ٢٦١، وأبي نعيم، الحلية ٣/ ٣٧. ٢ اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٤/ ٧٤٩، ح ١٣٩٦. ٣ ابن حجر: فتح الباري ١/ ١١٩.
[ ٣٧١ ]
الجهم بن صفوان١ الذي كان من مقالته: "وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا الله وحده، وأنه هو الفاعل وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز كما يقال: تحركت الشجرة ودار الفلك، وزالت الشمس؛ وإنما فعل ذلك بالشجرة والفلك والشمس الله -سبحانه-"٢.
ومن خلال مقالتي الطائفتين، يتبين لنا أن القدرة النفاة مفرطون في هذا الباب، مقصرون فيه بما سلبوا الله قدرته، وقولهم: إن العباد هم الخالقون لأفعالهم.
كما يتضح لنا مدى غلو الجهمية الجبرية في إثبات القدر حتى سلبوا الإنسان مشيئته وإرادته وعدوه بمنزلة الجماد، وأنه لا فعل له في الحقيقة، وأنه مجبور على أفعاله غير مختار فيها. وكلا الفريقين من الإفراط والتفريط على شفا جرف هار، والطريف المستقيم القصد.
فكل منهما قد أخطأ وضل في هذا الباب، وإن كان هذا لا يمنع أن يكون مع كل منهما بعض الحق والصواب؛ لكن الحق المحض والصواب المحض ليس هو في قول واحد منهما؛ وإنما هو قول خارج عن قولهما جمع ما عند كل من الفريقين من حق وصواب، وخلا مما وقع فيه الفريقان من خطأ وضلال.
ذلك هو قول أهل السنة والجماعة في هذا الباب، الذي هو حق بين الباطلين، وهدى بين الضلالتين، به كانوا وسطًا بين إفراط وتفريط الفريقين في هذا الباب، كما سنوضح ذلك في المبحث التالي بعون الله.
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته ص ٢٩٦. ٢ الأشعري، المقالات ١/ ٣٣٨.
[ ٣٧٢ ]