الوعد في اللغة: يكون بالخير والشر.
أما الوعيد: فلا يكون إلا بالشر١.
والمراد بالوعد: النصوص المتضمنة وعد الله لأهل طاعته بالثواب والجزاء الحسن والنعيم المقيم.
ويعرف أهل الكلام الوعد بأنه: كل خبر يتضمن إيصال نفع إلى الغير، أو دفع ضرر عنه في المستقبل٢.
وأما الوعيد: فالمراد به: النصوص التي فيها توعد للعصاة بالعذاب والنكال٣.
ويعرفه المتكلمون بأنه: كل خبر يتضمن إيصال ضرر إلى العير أو تفويت نفع عنه في المستقبل٤.
وإذا تقرر لدينا معنى الوعد والوعيد والمراد بهما؛ فاعلم أنه جاء في كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ كثير من الآيات والأحاديث التي تدل على وعد الله ﷿ للمؤمنين والمطيعين بالثواب الجزيل، وأنه أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ووعدهم بألوان من الأجر والجزاء. ومغفرة الذنوب فيما دون الشرك وتكفير السيئات وإبدالها حسنات ونحو ذلك.
فمن النصوص الواردة في ذلك قوله ﷿: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ
_________________
(١) ١ ابن فارس: مجمل اللغة ٤/ ٩٣١. ٢ انظر: القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة ١٣٤. ٣ انظر: صالح الفوزان، العقيدة الواسطية ص١٢٦. ٤ انظر: شرح الأصول الخمسة ١٣٥.
[ ٣٥٣ ]
وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ١، وقوله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ٢، ونحو ذلك مما فيه وعد بالجنة.
ومن نصوص الوعد بغفران الذنوب وتكفير السيئات: قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣، وقوله ﷿: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٤ وقوله ﷺ: "من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار" ٥.
وقوله ﷺ: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة -قال الراوي- وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق" ٦.
كما ورد فيهما أيضًا آيات وأحاديث كثيرة، تتضمن الوعيد الشديد بالعذاب الأليم والخلود في النار لأهل الفسق والمعاصي وأصحاب الكبائر ووصفهم بالكفر والفسق والضلال ونحو ذلك، كما في قوله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين﴾ ٧، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ٨، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية ٧٢. ٢ سورة الفتح آية ٥. ٣ سورة النساء آية ٤٨. ٤ سورة الزمر آية ٥٣. ٥ م: كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ١/ ٩٤، ح ١٥٢. ٦ م: كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ١/ ٩٥، ح ١٥٤. ٧ سورة آل عمران آية ٩٧. ٨ سورة النساء آية ١٠.
[ ٣٥٤ ]
جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ١، ونحو قوله ﷺ: "لا يزني الزاني حي يزني وهو مؤمن" ٢، وقوله: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" ٣.
الحاصل أن النصوص الواردة في الوعد والوعيد كثيرة، سواء في كتاب الله ﷿، أو من سنة رسوله ﷺ.
تجاه هذه النصوص وما شابهها افتراق الناس في باب الوعد والوعيد إلى طرفين وواسطة:
طرف غلب نصوص الوعد، وأغفل نصوص الوعيد، وهم المرجئة الخالصة؛ فقالوا: كل ذنب سوا الشرك فهو مغفور واحتجوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وقالوا: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
والطرف المقابل لهم وهم الخوارج والمعتزلة قالوا: لا بد أن ينجز الله وعده ووعيده، ولا يصح أن يخلف أيًا منهما، وهذه بعض نصوصهم في ذلك من كتبهم تنبئ عن مذهبهم، وتفتي بحقيقة قولهم:
يقول القاضي عبد الجبار في بيان مذهب المعتزلة في ذلك: "وأما علوم الوعد والوعيد؛ فهو أن يعلم أن الله تعالى وعد المطيعين بالثواب، وتوعد العصاة بالعقاب، وأنه يفعل ما وعد به وتوعد عليه لا محالة، ولا يجوز عليه الخلف والكذب"٤.
ويقول أبو عمار عبد الكافي الإباضي في تقرير مذهب أهل نحلته من
_________________
(١) ١ سورة النساء آية ٩٣. ٢ جه: فتن، باب النهي عن النهية ٢/ ١٢٩٨، ح ٣٩٣٦. ٣خ: كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن أن يحبط عمله ١/ ١١٠، ح ٤٨. ٤ انظر: شرح الأصول الخمسة ١٣٥- ١٣٦.
[ ٣٥٥ ]
طوائف الخوارج ومن وافقهم: "واتفق جمهور من ذكرنا في صدر المقالة من الأمة على أن الله منجز وعده، ووعيد، ومصدقهما بتمام ذلك وإمضائه في جميع من وعده وتوعده، لا تبديل لكلمات الله، ولا تحويل لأمره. واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَاد﴾ ١، ٢.
ولذلك قال هؤلاء: بخلود أصحاب الكبائر في النار؛ لأن الله توعدهم بها وعندهم أن الله لا يخلف الميعاد، وقد ذكرنا قولهم في أصحاب الكبائر وحكمهم فيهم في الدنيا والآخرة، وما بينهما من التمايز في المبحث الأول.
وهؤلاء قد ضلوا في الوعد والوعيد جميعًا.
فأما ضلالهم في الوعيد فواضح؛ حيث جرهم قولهم به إلى إكفار أصحاب الكبائر أو إخراجهم من الإيمان عند المعتزلة إلى الفسق ووجوب أصحاب الكبائر أو إخراجهم من الإيمان عند المعتزلة إلى الفسق ووجوب إدخالهم النار وتخليدهم فيها، وقالوا: إنه لا يجوز أن يغفر الله لهم إذا لم يتوبوا، ويكفي أن قولهم هذا يناقض قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾؛ فمن أين لهم أنه سبحانه لا يشاء المغفرة لهم، مع كونهم ليسوا كفارًا على مذهب المعتزلة، وليسوا مشركين على مذهب الإباضية، وطوائف من الخوارج، والنص إنما دل على عدم المغفرة للمشرك به سبحانه، والذين لا يغفر لهم هم الكافرون والمشركون.
وما ضلالهم في الوعد: فلإيجابهم ذلك على الله سبحانه بطريق الاستحقاق والعوض. يقول القاضي عبد الجبار: "أعلم أنه تعالى إذا كلفنا الأفعال الشاقة؛ فلا بد أن يكون في مقابلها من الثواب ما يقابله"٣.
ويقول الزمخشري -وهو أحد أقطاب المعتزلة- في تفسيره قوله تعالى:
_________________
(١) ١ سورة الرعد: آية ٣١. ٢ انظر: الموجز ضمن كتاب آراء الخوراج الكلامية، للدكتور عمار طالبي ٢/ ١٠٥. ٣ انظر: شرح الأصول الخمسة ٦١٤.
[ ٣٥٦ ]
﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ ١. قال: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾: فقد وجب ثوابه عليه"٢.
قول أحمد السنة "وهم الواسطية":
أما أهل السنة الذين يمثلون نقطة التوازن بين الطرفين؛ فإنهم يأخذون بنصوص الوعد والوعيد، فيجمعون بين الخوف والرجاء، لم يفرطوا في نصوص الوعيد كالمرجئة الخالصة الذين قالوا لا يضر مع الإيمان ذنب، ولم يغلوا غلو الخوارج والمعتزلة في نصوص الوعيد.
فكان قولهم في الوعيد أنه: "يجوز أن يعفو الله عن المذنب، وأنه يخرج أهل الكبائر من النار فلا يخلد فيها أحد من أهل التوحيد"٣.
وتقدم ذكر قولهم في حكم أصحاب الكبائر في المبحث السابق، وخلاصة قولهم أن كل من مات غير مشرك بالله فهو داخل تحت المشيئة؛ إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه. وأنه إن عذبه لا يخلده في النار كالكفار٤.
وقالوا في الوعد: إن الله لا يخلف وعده، وإنه لا بد أن يثيب أهل الإيمان به وأهل طاعته بحكم وعده لهم بذلك، لا بحكم استحقاقهم عليه فإن العبد لا يستحق بنفسه على الله شيئًا"٥.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمة: "وأما الاستحقاق؛ فهم يقولون: إن العبد
_________________
(١) ١ سورة النساء آية ١٠٠. ٢ تفسير الكهف ١/ ٥٥٨. ٣ ابن تيمية، منهاج السنة ١/ ٤٦٦- ٤٦٧. ٤ انظر: ص٣٤٦ وما بعدها. ٥ عواد بن عبد الله المعتق، المعتزلة وأصولها الخمسة ص٢١٧، "ط. الأولى ١٤٠٩ هـ، نشر: دار العاصمة".
[ ٣٥٧ ]
لا يستحق بنفسه على الله شيئًا، وليس له أن يوجب على ربه شيئًا لا لنفسه ولا لغيره، ويقولون: إنه لا بد أن يثيب المطيعين كما وعد؛ فإنه صادق في وعده ولا يخلف الميعاد"١.
وقال في موضع آخر: "واتفقوا على أن الله تعالى إذ وعد عباده بشيء كان وقوعه واجبًا بحكم وعده؛ فإنه الصادق في خبره الذي لا يخلف الميعاد"٢.
_________________
(١) ١ انظر: منهاج السنة ١/ ٤٦٧. ٢ انظر: منهاج السنة النبوية ١/ ٤٤٨.
[ ٣٥٨ ]